الرموز في أدب الطفل




محمد ولد محمد سالم:


كنت أتأمل مجموعة من قصص الأطفال لأحد الكتاب، يتحدث في إحداها عن ذئب شرس الطباع حقود له مال كثير، وقد اجتمعت حوله مجموعة من حيوانات الغابة منهم الأرنب وابن آوى والضبع وغيرها، وكلُّ يجتهد في إظهار حبه وإخلاصه للذئب، ويخترع أشكالاً من العلاقة النسبية بينهما، عسى أن يكون ذلك سبباً لأن يعطيه الذئب شيئاً من المال، وعندما يصاب الذئب بضائقة يفقد فيها ماله، ينفضّ من حوله جميع أولئك المتبارون في إظهار الود، ويكتشف كمْ كانوا منافقين خدّاعين، ويعرف أن الودّ الذي يسعى به صاحبه إلى مصلحة ذاتية، لا يكون وداً صحيحاً خالصاً، بل هو نفاق وخديعة.


خرجت من هذه القصة بشعور أنها ليست النموذج السليم للقصص التي ينبغي أن تكتب للطفل، وذلك لأمرين، الأول أن الصورة التي قدم بها الذئب في الحكاية، تحدث اضطراباً وتناقضاً في ذهن الطفل، حيث يصادف في البداية "ذئباً شرس الطباع حقوداً بخيلاً"، وهو ما يجعله بالضرورة ينفر منه ويكرهه، وفي نهاية الحكاية، يجده "مخلوقاً بريئاً مخدوعاً قد ذهب ماله"، فمع أي الصورتين سوف يقف هذا الطفل؟ هل عليه أن يتعاطف مع الذئب نظرا لما آل إليه، أم يظلَّ على كراهته له ويفرح بالنكبة التي أصابته؟ وهو الشرس الحقود البخيل، إن هذا التناقض أيضا سوف يشغل الطفل القارئ عن الرسالة الأساسية التي يريد الكاتب إيصالها إليه، وهي أنّ عليه ألا ينخدع بمظاهر الناس ودعاواهم، ويعرف أن من يحبه لماله أو جاهه فهو مخادع.


الأمر الثاني هو أن لغة الحكايات كانت صعبة حتى على قارئ له إلمام بالنصوص، فكان بعضها أدبياً بعيداً عن ذهن الطفل الذي لا يزال محصوله من المفردات قليلاً، وفهمه متواضعاً، وهذا أحد الأخطاء الجسيمة التي لا ينتبه إليها كثير من كتاب أدب الطفل، فتكون كتاباتهم عصية مملة لهذا المستوى من القراء.


تذكرت بحكاية "الذئب" حكاية نموذجية عن "الثعلب والديك" صاغها أحمد شوقي أمير الشعراء بأسلوبه البارع البديع الذي استطاع به أن ينزل إلى مستوى الطفل مع الحفاظ على أصالة لغوية جميلة، وملخص الحكاية أن الثعلب تقمص شخصية الداعية الواعظ، وجاء فجراً يوقظ الناس للصلاة، وأرسل في طلب الديك لكي يؤذن لصلاة الصبح، لكنّ الديك الذي يعرف الثعلب على حقيقته، عرف أنها خدعة ووسيلة ماكرة لكي يتمكن منه ويفترسه، كما افترس جميع أجداده من الديكة، ولذلك رفض الخروج إليه.


في هذه الحكاية يظهر الثعلب على حقيقته الماكرة، ويظهر الديك أيضاً على حقيقته كحيوان ذكي ومسالم، لا تخدعه المظاهر، وهذا ما جعلها قصة ناجحة وجيدة، ويعني ذلك أن الكتابة للطفل ينبغي أن تراعي الطبيعة الأصلية للحيوانات والشخصيات التي تحكي عنها، فالذئب ينبغي أن يظل رمزاً للشراسة، والحمل رمزاً للبراءة، لكي تظل القيمة الخلقية التي نريد إيصالها واضحة قريبة.