-
2 - 2 - 2015, 11:15 PM
#1
حسن فتح الباب: الشعر يمنح القدرة على التحدي
يكتب بين الضوء المرتعش والظل الشاحب
حسن فتح الباب: الشعر يمنح القدرة على التحدي

القاهرة -"الخليج":
حسن فتح الباب من شعراء جيل الخمسينات في مصر، وهو صاحب تجربة ممتدة في الكتابة الإبداعية، صدرت له مجموعة من الدواوين الشعرية منها "من وحي بورسعيد" و"فارس الأمل" و"مواويل النيل المهاجر" و"أحداق الجياد" و"سلة من محار" و"كل غم شجر.. كل جرح هلال" و"حبنا أقوى من الموت"، وغيرها من الأعمال التي جسد من خلالها التحولات السياسية والاجتماعية من حوله.
* الشعر بالنسبة لك حالة خاصة من العشق والصحبة، كيف ترى تلك العلاقة بعد كل هذه السنوات؟
- بين الضوء الخافت المرتعش والظل الشاحب ولدت تجربتي الشعرية مرآة لحياتي في أحضان الصابرين من عشاق مصر المحروسة وأحباب النيل العذب الكوثر، كما كنا نصفه في الزمن الخالي، ومن أحلام الرومانسية وأخيلة الوهم الميتافيزيقية، وجماليات الطبيعة الصامتة الحية وعذابات الحب المحروم وموسيقى الكون الغامض، كانت قصيدة الطفولة والصبا الباكر أول خيوط ما نسميه الإبداع، ويخيل لي أن شعري قد سبق اكتمال تكويني حين تخلل "الجينات" جنباً إلى جنب ملامحي التي ورثتها عن أبي.
وما زلت لا أدري أيضاً ما إذا كانت بذرة الموهبة الأدبية والتوهج الشعري، مرجعها إلى أبي أم إلى أمي، فقد كانت أمي رحمها الله مرهفة الشعور، وكانت جدتها في ما تقول ترتجل الشعر الشعبي، وكان جدي يحفظ كثيراً من الملاحم الفولكلورية التي كانت تدخلني كالمسحور في عالم بعيد وبهيج.
* إذاً كانت فترة الطفولة هي المكون الرئيسي للعملية الإبداعية لديك؟
- بالتأكيد فمن ألمها وبهجتها ولد الشعر الذي غنيته صغيراً وما زلت أكتوي بلهيبه، ومنذ بداية علاقاتي بالشعر اتسمت قصائدي برداء شفيف من الحزن الذي كان أكبر من سنوات عمري، ليس من خلال همي الخاص وإنما من خلال الهم العام أيضاً، الذي حملته فوق كتفي فلم يكن شعري بمعزل عن هموم هؤلاء الذين غنيت لهم وعنهم بلغة تخصهم، لأن هؤلاء لا يعرفون إلا أبجدية التراب/ الخبز والملح، وهذا ما قلت عنه في إحدى قصائدي: "الحزن كان موعدي مع الرفاق والسنين/ وكان لحظة الغواية/ وروعة الحنين/ الحزن كان موعدي وموطني/ أحرس فيه ملكي العقيم/ لأنني قامرت في البداية".
* من ملامح تجربتك توليد الأسطورة وتفجيرها داخل النص الشعري.. كيف يمكنك ذلك؟
- أميل إلى مزج الواقع بالأسطورة والجو التاريخي، أحب الشعر الملحمي كثيراً، الخطاب الشعري في حالة صراع ما بين الماضي بتجلياته المختلفة والحاضر بقسوته ورؤيته المستقبلية، والشعر من بينهما كطائر "العنقاء" المنبعث حياً من الرماد، والذي يصحو على هدير العاصفة، ففي زمن العذاب والقهر الجماعي والفردي لا يبقى إلا حب واحد هو حب الوطن.
* الشعر ابن الواقع والمأساة وقد أثر في عملك كضابط شرطة في خمسينات القرن الماضي لماذا كانت هذه المغامرة؟
- الإرهاصة بالشعر الحر في ديواني الأول "من وحي بورسعيد"، قدر لها أن تتجذر وتتطور حتى تبلغ أوجها في قصيدة التفعيلة عندي منذ عام 1957م، ولم يكن هذا التطور الدرامي ليتاح لي لولا تجربة عاصفة خضتها، وكانت أهم تجارب حياتي وشعري، ذلك أن المشيئة الإلهية كانت تدخر لي طريقاً آخر غير الحقوق وغير الآداب، طريقاً لم يذهب خيالي يوماً إليه، وهو وظيفة ضابط شرطة، ولكن سفينة الشاعر الضابط كانت منذورة لخوض أمواج عالية كالجبال، ورياح عاتية لا قبل لي بمقاومتها بأشرعة سفينتي الشعرية وأجندتها الرقيقة، فكانت مركباً للعذاب، فقد تم تعييني في نقطة شرطة في الأقاليم، وقد طاردني الفلاحون الفقراء بنظرات صامتة، نظراً لوجود حاجز نفسي بينهم وبين رجال الشرطة، هذه النظرات أشبه باللعنات، رغم محاولاتي الدؤوبة أن أقنعهم أنني ما جئتهم إلا للحفاظ على أمنهم ودرء الجرائم عنهم.
وهكذا أشعل التناقض بين مهنتي كضابط شرطة وهويتي كشاعر خرج من صلب فقراء مصر شرارة قصيدتي "ضابط في القرية" 1957م وكثير من القصائد التي تضمنها ديواني الثاني "فارس الأمل" 1965م كما تغني هذا الديون بالانتفاضات والثورات وحركات المقاومة في الجزائر وفي فلسطين والعراق وفي أمريكا اللاتينية.
* قصائدك مسكونة بالمهمشين والبسطاء الذين ترد أسماؤهم في سياق النص الشعري ما مرجعية ذلك؟
- كتبت قصائد كثيرة عن هؤلاء، باعة الفل والياسمين القادمين من الحواري مثلي ومن الأزقة، وكتبت من وحيهم قصيدتي "شوارع المدينة"، كما كتبت عن عمال التراحيل الذين يبيعون عرقهم لقاء جنيهات قليلة، كل ذلك جاء عبر دراما شعرية كما في قصيدة "دم على البحيرة"، والتي توجد بها قصص متعددة لهؤلاء البسطاء الذين يسعون وراء حلم البقاء على قيد الحياة.
* تتعدد أسماء المدن في دواوينك لكنك مسكون بالبحر والإسكندرية أكثر من غيرها من المدن لماذا؟
- لم تفارق الإسكندرية أشعاري فاستلهمتها في قصائد كثيرة، خاصة في ديواني "مواويل النيل المهاجر"، وحين سافرت للعمل في الجزائر في الثمانينات حلمت بالإسكندرية في مدينة "وهران" الجزائرية التي تشبهها بإطلالتها على البحر الأبيض المتوسط، وتصورتني سائراً إليها من المكان الذي اتخذت على شاطئ تلك المدينة وفي لا وعي أنني سأبلغها، وأيقظني من حلم يقظتي الصديق الذي كان يرافقني، فصحوت وكتبت قصيدة "إسكندرية" التي أهديتها إلى صديقي عبد العزيز.. العازف الشعبي المتجول على رصيف المتوسط.
ولي ديوان عن رحلتي العملية التي قمت بها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ديوان "مدينة الدخان والدمي"، لقد حاولت أن ارتفع بشعري إلى مستوى الأحداث، وليس بطريقة مباشرة فكتبت قصائدي ملحمية كثيرة، كما حدث في قصيدة "إلى الملتقى يا نخيل السويس"، وهي في مطلع ديواني "حبنا أقوى من الموت".
ضوابط المشاركة
- تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- تستطيع الرد على المواضيع
- تستطيع إرفاق ملفات
- تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى