-





الكتابة من القلب



*جريدة الخليج



محمد إسماعيل زاهر:

تتعدد وسائل التثقيف في العديد من بلدان العالم، فلم تعد المسألة تقتصر على تلك القائمة المعقدة من الكتب التي يصفها العديد من الخبراء العرب في ذكرياتهم أو حديثهم عن التكوين، أو في مجالسهم الخاصة عندما يتناولون أبرز «الكتب» التي ينبغي قراءتها ليحصل الإنسان على ما يتمنى الوصول إليه من قدر موزون من المعرفة، قائمة أقل ما توصف به أنها معقدة وتعبر عن المرحلة التي وصل إليها صاحبها بعد معاناة وتجارب مطولة مع الكتب، لا تأخذ في الاعتبار ظروف المتلقي، ومرحلته العمرية وتعليمه.. إلخ.


خذ مثلاً أي مثقف يتحدث عن تكوينه لابد أن تتضمن قائمته الكثير من أمهات الكتب، ونادراً ما يشير أحدهم إلى بداية ما جذبه للقراءة، كأنه شب ليقرأ «الحرب والسلام» لتولستوي مرة واحدة، ولم يمر على أرسين لوبين أو أجاثا كريستي، والأكثر مدعاة للاهتمام هنا تلك الأسماء التي يطالعها المراهقون، ويعتبرها مثقفونا في جلساتهم برزت نتيجة لأي سبب إلا الموهبة، هؤلاء يتم رفضهم وإخلاء القائمة منهم حتى ولو كانوا ضرورة مرحلية يجب على أي مراهق المرور بها حتى يصل إلى القراءات النخبوية.


والملاحظ كذلك في تلك الأحاديث أنه لا مكان إلا للكتاب المقروء، فالثقافة في عرفهم كلمات مطبوعة تلتقطها العين لتنفذ إلى الرأس ومن ثم تؤثر في الوعي، فلا يتم التطرق إلى الفيلم أو الموسيقى أو الأغنية.. إلخ، إلا من قبيل تلطيف الحديث، أما الكتاب المسموع فيندر أن يشير إليه أحدهم مع أنهم صدعونا بثقافتنا «السمعية»، ولا يمكن أن تجد من يتكلم عن تلك القنوات التاريخية والجغرافية و الوثائقية التي حولت جانباً مهماً من الثقافة إلى منطقة المرئي والمبصور مع ضجيج لا ينتهي كذلك حول مفعول الصورة السلبي، فكل ما لا ينتمي إلى تلك الدائرة الضيقة التي تتضمن مجموعة منتقاة من الكتب لا يمكن الركون إليه أو الثقة فيه، أي لا يعول عليه إذا استعرنا تشبيه ابن عربي الأثير.


هي الثقافة عندما تبتعد عن دائرة الرغبة في التأثير أو على وجه الدقة تعجز عن ذلك، حيث لا تمتلك القدرات البشرية، أي المثقف، القادر على التفاعل مع المتلقي من خلال خطاب واضح وبسيط، يشعر القارئ بصدقه، يضع المصلحة العامة على رأس الأولويات ولا يسجن نفسه في آراء معلبة وجاهزة تناسب مختلف المواقف، هو غياب المثقف الذي يكتب بقلبه، ويؤمن بضرورة تنوير الناس بشتى السبل ويعمل على ذلك ويشجع مصادر المعرفة المختلفة حتى لو كانت ساذجة طالما ترتقي بالشعور والوجدان، وطالما تعزز من قيمة الحب في ظل واقع يبدو أنه أبعد ما يكون عن تلك القيمة.