-





سماحة اللغة



*جريدة الخليج



جودت فخر الدين:

«السمْحة» صفة هي من أبرز ما تتصف به لغتُنا العربية، إنها لغةٌ ذاتُ سماحة، وقد جاء في معجم «محيط المحيط» أنّ السماحةَ هي الجودُ وسهولةُ الجانب في الإعطاء وطيبُ النفس به، وليس أدلَّ على سماحة لغتنا العربية من تلك المناقشات والمناظرات التي دارت بين علماء اللغة القدامى، والتي جعلتْهم ينقسمون إلى مدارس أو تيارات أو مناهج، تنحو جميعها نحو التأويل حيالَ هذه القضية أو تلك. والنشاط التأويلي هو في حدِّ ذاته مظهرٌ من مظاهر السماحة، لأنه يكشف عن تعدُّدَ الإمكانات، وعن كثرة الاحتمالات حيال القضية الواحدة.


لقد تعدَّتْ جهودُ علمائنا القدامى وأبحاثُهم مسائل التصويب اللغوي، أي مسائل البتّ في وجوه الصواب أو الخطأ. تعدَّتْ ذلك بكثير، نحو الكشف عن جماليات اللغة وأسرار العبقرية الكامنة فيها، وكان لهم في ذلك أنْ يكشفوا عن وجوهٍ لا تُحصى لسماحة لغتنا العربية، حتى إنّ واحداً منهم أشار إلى إمكان الصواب في كلِّ وجهٍ من وجوه التأويل في قضيةٍ من القضايا.


ومما يشهد أيضاً للغتنا العربية بالسماحة تعدُّدُ العلوم اللغوية وكثرتُها، من نحْوٍ وصرْفٍ وفقهٍ، وكذلك تعدُّدُ العلوم المتفرِّعة من اللغة أو المرتبطة بها على نحْوٍ ما، كعلوم البلاغة وعلم العروض وعلم الحديث وعلم الكلام.. إلخ.


لقد أطلقَ البحث في الإعجاز القرآني، في القرنيْن الرابع والخامس للهجرة النشاطَ التأسيسيَّ لتلك العلوم الكثيرة المتعلِّقة باللغة أو المتفرعة منها، وإنْ كان التأليف في شتّى الميادين قد بدأ قبل هذيْن القرنيْن بقليل، إذْ كان العربُ آخذين في الدخول في عصر الكتابة، بعد عهودٍ من الثقافة الشفاهية التي كان عمادُها الشعر.


لقد ظلَّ الشعرُ مرتكَزاً من مرتكَزات التأليف، ومصدراً من مصادر الحُجج في أنواع القياس، وأبرزُها القياسُ اللغويُّ الذي غدا عند الفقهاء وعلماء الأصول من وسائل استنباط الأحكام الشرعية، وفي هذا دليلٌ على الرابطة الوثيقة بين اللغة والفكر عند العرب.


لقد كانت اللغة العربية، وينبغي أن تظلَّ، لأبنائها ذلك الفضاء الشاسع لإنتاج الأفكار والتصوّرات والعلوم، وذلك لأنها تنطوي على إمكاناتٍ تعْصى على الحصْر أو التحديد.


ولم تكنْ علومُ اللغة ومتفرعاتها سوى محاولاتٍ لوضْع أبرز القواعد أو المقوّمات التي تتمحور حولها عبقريةُ هذه اللغة.


وتشهد تلك العلوم وإنْ كانت على درجةٍ عاليةٍ من الإحكام على أنها لم تُحِطْ بكلِّ ما سعتْ إلى الإحاطة به في هذا الجانب أو ذاك من جوانب لغتنا العربية. ففي نواحي الصرْف والاشتقاق على سبيل المثال، تدلُّنا كتبُ اللغة ومعها المعاجم التي كان العربُ روّاداً في صناعتها على أنّ اللغة العربية هي من أرحب اللغات، ومن أكثرها اشتمالاً على إمكانات التصريف، ومن أكثرها تشعُّباً وغنىً في الاشتقاق. وفي هذا مظهرٌ من مظاهر السماحة.


لا أرمي في هذه المقالة إلى الكلام على ما قدَّمهُ كلُّ علمٍ من علوم اللغة ومتفرعاتها، تكفي الإشارةُ إلى أنّ هذه العلوم حاولتْ أن تضعَ القواعد، إلا أنها لم تُحِطْ بكلِّ شيء، فقد ظلَّ هناك في لغتنا العربية ما لا يستوعبُهُ التقعيد. كما أنّ القواعد لا تفي أحياناً بغرض القبض على الظواهر التي وُضعتْ من أجلها. بكلمةٍ أخرى، نستطيع القول إنّ لغتنا العربية هي أوسعُ من قواعدها، هي أوسعُ وأغنى من أنْ تسكنَ في القواعد أو أنْ تُحَدَّ بها، وفي هذا أيضاً تعبيرٌ عن سماحة هذه اللغة.


إنّ علوم النحْو والصرْف والبلاغة، وغيرها لم تتطوّر بشكلٍ ملحوظٍ منذ زمنٍ طويل، أي أنها لم تواكب التطوّرَ الذي لا بدَّ أنه حصلَ في اللغة ذاتها. فالعلوم المشار إليها، وإنْ كانت لا تستطيع استيعاب الظاهرة اللغوية استيعاباً تاماً، عليها أن تعمل دائماً على التصدّي لِما يستجدُّ في اللغة من ظرْفٍ إلى ظرْف، تبعاً لمستجدّات الحياة التي لا بدَّ من حصولها عبر العصور، وفي مثل هذا التصدّي، يكون لتلك العلوم أن تتطوّر في ذاتها، أن تتكيَّف مع كلِّ جديد. وهذا ما نفتقرُ إليه اليوم، إذْ إنّ علومنا اللغوية لا تزال كما وضعها أسلافُنا منذ زمنٍ بعيد.


كيف للغةٍ سمْحة، كلغتنا، ألا تحظى بما تستحقُّهُ من أبنائها الناطقين بها؟