النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: الحلم واليقظة في قصيدة "صحوة الورق" لإبراهيم محمد إبراهيم

  1. #1
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    الحلم واليقظة في قصيدة "صحوة الورق" لإبراهيم محمد إبراهيم

     

    الحلم واليقظة في قصيدة "صحوة الورق" لإبراهيم محمد إبراهيم

    أ.د. أحمــد الزعبــــي

    الملحق الثقافي / دار الخليج




    من كل اتجاه، فحين تسلب حرية الشاعر وتزرع تحت أقدامه الأشواك وتتعالى في طرقه الأسوار، ينسحب من الطرقات والأمكنة والناس ويعانق أحلامه، يداعبها وتداعبه ويُفلت من أسر الواقع الملوث الموبوء ويفرغ أحلامه ورقاً، كلمات، شعراً يصحو في وقت ما، ويوقظ كل دفين في صدر الشاعر في مكان ما، في لحظة ما، يقول: حُلمٌ تجلّى كالنَّدى، في صَحوة الوَرق، أوّاهُ من نوم العيون على القَذى، الحلم ملاذ الشاعر، إنه نتيجة لأرق لا ينتهي وقذارةٍ تعمي العيون، تهب رياحها من كل جانب فلا تترك للشاعر مهرباً سوى الأحلام، يبدد فيها الأرق والقهر والاكتئاب أو تدفع به إلى الغياب أو الارتحال أو الاغتراب، تائهاً في أصقاع الأمكنة والطرقات لعل حلماً جميلاً ينتظره في بقعة ما، عند غدير ما، يخفف عنه آلام جراحه الدامية التي لا يبخل عليه بها عالمه الموبوء المتصادم المتآكل، يقول: لما تعثَّرتِ الخُطى بتفرُّقِ الطُّرُق ، تَعِبَ التِطامُ الموج ، من بأسي، ومن غرقي، بكتِ العيونُ معي، على ميلادِها فرحاً فأمطرتِ السماءُ، تبشّر الآتينَ من أقصى بلادِ القَهْرِ بالعَبراتِ .



    الرحيل ملاذ آخر للشاعر، هروب آخر، فحين يكون كل ما حولك ملوثاً خانقاً متفسخاً، فإنك لابد أن تبحث عن مكان أقل اختناقاً، عن عالم أقل تفسخاً . . . عن هواء نقي قبل أن تسقط قهراً أو حزناً أو اختناقاً .



    إذن، فليرحل الشاعر بحثاً عن “فرح” أو “مطر” يريح أعصابه التي تهرأت من تغيّر الوجوه وزيف العلاقات وقذارة الصراعات واندثار القيم الجميلة، فليرحل إذن، فقد تعددت الطرق وتفرّعت وتفرّقت، وتعثرت معها خطى الشاعر، فليبحر إذن في متاهات المحيط، يحمل روحه على كفه . . يهدده الموت والغرق والموج، المهم أن يبتعد عن الوباء والأسوار والقيود والاكتئاب، على أن يحط رحله في بقعة بعيدة، في روضة نائية، فيها مطر، وشجر وطيور، لا تلوّث ولا تلويث في هواها ومائها، فيشعر بالراحة والبشرى والبعد عن (بلاد القهر) وأجواء الحزن .



    فَأنخْتُ راحلتي، وكلَّ مآربي، في رْوضةٍ خضراءَ، تحكي للحيارى قصةَ الآتينَ، من ثَغْرِ الصباح الآتي، وفَرشْتُ للأحلام فيها بُردةً، بين الزهورِ .



    حطّ الشاعر رحله في “روضة خضراء”، وفرش لأحلامه ثوباً في حديقة غناء، وراح يفرض أحلامه الجميلة على ذهنه وعالمه وأعماقه، لتخفف عنه القهر والأسى الذي يمتزج بذاكرته ومخيلته، واستبدل الماضي الكئيب بحاضر حالم بهيج لا يتمنى الإفاقة منه أو الرحيل عنه، وراح يحتفل بهذه اللحظات الجميلة الهادئة، كأنه يسرقها من العمر المبعثر الضائع، يقول، وقد حوّل الأحلام إلى حقيقة (في الحلم أيضا): غزلتُها بخواطِري ونسجتُها بحياتي حتى رأيتُ الكونَ هذا صَفْحَتي والغيمَ شِعري والطيورَ رُواتي يا ظُلمةَ الأمس الكئيبِ تبدَّدِي قد آن أَنْ أَحْيا بُزوغَ نَهاري، وأرى بلادي، حرةً بين الطيورِ، كطفلةٍ سمراءَ” .



    ويستمريء الشاعر حلمه الجميل، وتتبدل صور القهر والألم والاختناق إلى صور الربيع والأزهار والجمال . هذا هو “الكون”، العالم، الوطن الذي يريده، تتبدد فيه (كآبة) الماضي، ويحتفل فيه (ببزوغ النهار) وشروق الشمس، فتزقزق العصافير شعراً، وحباً، وجمالاً، وتمطر الغيوم شعراً، ودفئاً، وحياة، عندها يصبح المكان وطناً حبيباً جميلاً، ويغدو الزمان ربيعاً مزهراً صافياً، وهنا تعود البلاد طيراً مغرداً بين الطيور، وطفلة سمراء ترتع في الحقول والمروج والغدران .



    ويرتاح الشاعر لعالم الأحلام والأمنيات، ويمعن في وصف جمالياته وبراءته ونقائه، وكأنه البديل عن عالم الواقع المليء بالكوابيس والظلام، إنه الحلم الأمنية التي يتشوق لرؤيتها وقد غدت حقيقة، إنها الأمنية الجميلة التي عندها يعاود الشاعر احتضانها وتقبيلها والتفاني فيها يقول: وتعودُ نحوي، والحنينُ يحثُّها، فأضمها ولَهاً كما عوّدتُها، وتذوبُ في صدري، فَتَخْمَدُ ناري، فلقد رحلتُ، وفي فؤادي لهفةٌ للعودِ .



    يتشبّث الشاعر إبراهيم محمد إبراهيم بحلمه وبوطنه إلى أقصى حد، إنه لا يريد الرحيل ولا الاغتراب ولا التشرّد في أصقاع الدنيا ولديه وطن جميل يبادله الحب واللهفة والدفء والانتماء، لكنه يريده الوطن الحلم، الصورة التي رسمها في خياله، بكل بهائها وجمالها وإبداعها وطموحها وإزهارها وشواطئها، الصورة البديعة التي (تخمد ناره) وآلامه القديمة، الصورة التي يضمّها إلى صدره ولا ينتزعها منه أحد، التي يمتزج بها وتمتزج به، صورة الإنسان والوطن في أبهى حالات الالتحام والانتماء والتفاني .



    لكن الرحلة /الحلم/ المنفى في البلاد البعيدة لن تطول إلى مالا نهاية، فبعد كل رحيل عودة، وبعد كل سفر رجوع، وبعد كل حلم صحو، فقد رحل الشاعر بعيداً، وحط رحله هناك، وكتب أشعاره هناك، لكنه اكتشف أنه قد أخذ وطنه معه، أو أن الوطن قد سكنه وصاحبه في حلّه وترحاله، وأن أحبته كانوا في أعماقه، وكأن هذا الرحيل لم يحدث أبداً .



    وسواء كانت رحلة الشاعر متخيلة أو حقيقية، وسواء كانت الرحلة حلماً يحقق رغبة كامنة في أعماق الشاعر، كما يرى علماء النفس، أو تجربةً فعليةً في بلاد الغربة، فإن الوطن يسافر مع صاحبه إذا كان الصاحب عاشقاً منتمياً محباً فعلاً لوطنه . وشاعرنا عاشق لوطنه، إن رحل رحل معه، وإن توجع توجع معه، فهو لا يستطيع عنه فراقاً، لكنه يبثّه أشواقه وأحلامه وأمنياته أن يكون الأجمل والأرقى والأنقى والأقوى، لا شائبة تشوبه، ولا ظلم يكدر صفوه ولا غراب ينعق في سمائه ولا قذى يملأ عيون أبنائه، إنه وطن الربيع، والطيور، والشموس، والبحار، والفراش، والحنين والوئام وكل القيم الجميلة التي يحرص الشاعر على زرعها وسقيها ورعايتها والحفاظ عليها، سواء كانت حلماً يتمنى الشاعر تحققه أو واقعاً يتمنى استبداله .

  2. #2
    مدير التغطيات والفعاليات الصورة الرمزية RAKBOY783
    تاريخ التسجيل
    3 - 12 - 2008
    المشاركات
    42,942
    معدل تقييم المستوى
    20

    رد: الحلم واليقظة في قصيدة "صحوة الورق" لإبراهيم محمد إبراهيم

    تسلمين ع الطرح

  3. #3
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: الحلم واليقظة في قصيدة "صحوة الورق" لإبراهيم محمد إبراهيم

    شاكرة تذوقكــ للمادة الادبيـــة،،
    دمت بود،،

المواضيع المتشابهه

  1. [الخليج] أمسية لإبراهيم محمد إبراهيم في ندوة الثقافة والعلوم
    بواسطة رذاذ عبدالله في المنتدى الأخبار الادبية والثقافية
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 6 - 1 - 2010, 04:38 PM
  2. أحمد إبراهيم الجيري الشامسي يستقبل المولود الجديد "عبدالرحمن"
    بواسطة الراصد في المنتدى مجلس أخبار مدينة الرمس
    مشاركات: 13
    آخر مشاركة: 16 - 10 - 2009, 11:53 PM
  3. مشاركات: 14
    آخر مشاركة: 2 - 9 - 2009, 02:11 PM

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •