-




مبدعون بلا عناوين



*جريدة الخليج



منصور:

حين سافر صحفي عربي إلى قبرص لإجراء حوار مع الشاعر يانيس ريتسوس كان يحمل عنواناً يليق بعناوين الشعراء في بلادنا العربية، وهو أن منزله يقع بالقرب من مدرسة أطفال، وعندما سمع سائق التاكسي القبرصي الصحفي وهو يقول له بالقرب من مدرسة x، غضب وقال إن العنوان معكوس، فالمدرسة بالنسبة إلينا تقع بالقرب من منزل ريتسوس! ولا ندري ما الذي كان سيقوله ذلك السائق لو سمع أن عناوين بعض الشعراء والكتّاب العرب ومنهم مشاهير حي بالقرب من فرن كذا، أو مقابل البقالة كذا أو خلف كراج للسيارات بلا اسم! دلالة ذلك، أننا لا ننظر إلى المبدعين والفنانين في بلادنا تلك النظرة التي يستحقونها، رغم أنهم يحترقون ليضيئوا ما أظلم من أيامنا في زمن أصبحت الحاجة فيه إلى التنوير أشد مما كانت في أي زمن مضى.

ومن سافروا إلى بعض دول العالم، لا بد أنهم لاحظوا - إذا سمح لهم الوقت بعد التسوق - أن هناك فنادق ومقاهي ومنازل تحولت إلى متاحف لأن هذا الشاعر أو ذلك الفيلسوف عاش فيها أو قضى فيها بعض الوقت.. لكن مثل هذا التقدير والترميز لأهل الفكر يشترط الاعتراف بالدور الذي أدوه في التاريخ، وبأن ما سماه جوزيف ناي القوة الناعمة هو الأشد فعالية ونفوذاً من أية قوة صلبة حتى لو كانت نووية.


وحين نقرأ عن نهايات ومصائر بعض المبدعين العرب بدءاً من السياب ونجيب سرور وليس انتهاء بعبد الحميد الديب وعبد الحليم عبد الله وأمل دنقل وغيرهم نشعر بالحاجة الماسة للاعتذار لهم وهم ساهرون في قبورهم، وللمثال فقط كانت صفعة من سائق باص سبباً مباشراً لموت روائي عربي حين اشتعل دمه كله غضباً.


وهناك عواصم في العالم، يقرأ السائح على مداخل شوارعها عبارات من طراز نرجو عدم استخدام آلة التنبيه، والسبب أن كاتباً أو مفكراً يقطن في هذا الشارع أو ذاك، وقد ظفر بمثل هذا التكريم كاتب يهودي اسمه يوسف عجنون رغم ما اتسمت به أعماله من ضيق في الأفق الإيديولوجي.


فهل سيأتي وقت علينا تصبح فيه عناوين كتاب ومبدعين هي الأساس وليس المطاعم والمقاهي وكراجات السيارات التي تحيط بمنازلهم.


إن ذلك يتطلب اعترافاً رسمياً من مؤسساتنا بأثر القوة الناعمة، وعرفاناً من شعوبنا بفضل روادها الذين عبّدوا لها الطرق الوعرة، وأفنوا أعمارهم بإيثار خالص من أجل الأجيال القادمة في أوطانهم.