-
1 - 10 - 2015, 11:35 PM
#1
قصتي مع الرواية
-
قصتي مع الرواية
*جريدة الخليج
شوقي بزيع:
إذا كان لي أن أستعيد بشكل أو بآخر سيرتي الطويلة مع القراءة لوجدت أن قراءة الروايات والمذكرات والسيّر هي التي تقع في صدارة قراءاتي وتشغل المساحة الأوسع من سنوات الصبا والكهولة، على حد سواء. لا بل إن تعلقي بالرواية، بشقيها العربي والعالمي، يفوق تعلقي بأي فن مماثل، بما يجعل من تعلقي بفنون السرد أقرب إلى الإدمان الذي لا شفاء منه، بحيث لا يكاد يصدر عمل جديد وجاد لروائي شاب أو مخضرم إلاّ تعهدته بالقراءة حيناً وبالكتابة النقدية حيناً آخر. وقد حدث قبل سنوات ثلاث أن شعرت بأن قراءتي للروايات تتم على حساب قراءات أخرى في مجالات الفكر والسياسة والاجتماع وبعض الفنون البصرية، فتوقفت عن متابعة الإصدارات الروائية الأخيرة لسنتين متتاليتين لأنصرف باتجاه الفلسفة والنقد، والفن التشكيلي بوجه خاص. غير أن الأمر لم يدم طويلاً قبل أن أستسلم مرة جديدة لإغواء السرد وفتنته الطاغية.
لعل الشغف بالروايات لا يعود فقط إلى مزاج شخصي أو إلى جينات وراثية أسهمت حكايات جدتي لأمي زمن الطفولة في تنميتها وترسيخها مع الزمن، بل هو إلى ذلك متصل بتحولات الاجتماع البشري الذي جعل من المدن الكبرى نصابه وقوامه، والذي تشكل الرواية حاضنته ومختبره التعبيري الحافل بالتناقضات وصراع القيم والمصالح والأفكار. وحيث البشر المتعبون يركضون لاهثين وراء فكرة السعادة و الفراديس الأرضية التي يمنيهم بها عالم الرأسمال المتوحش، توفر لهم الرواية فرصة ثمينة للاستقالة من حيواتهم المثقلة بالأعباء والآلام، وللإقامة في حيوات موازية يتماهون معها في حالات الصعود إلى القمة، ويعودون إلى «قواعدهم» سالمين في لحظات السقوط الفاجع. كما تمنح الروايات قراءها متعة التلصص على الآخرين والتسلل إلى أماكن عيشهم وغرف نومهم ودواخلهم المغلقة. كذلك هو الأمر مع السينما التي تتكئ على الروايات بشكل أساسي، حيث ينسدل من ورائنا الستار الذي يربطنا بالواقع ويرتفع من أمامنا الستار الذي يربطنا بالمتخيل، ويأخذنا بعيداً عن همومنا الأرضية.
وسواء كانت الرواية متصلة بأحداث التاريخ ومستندة إلى وقائعه وأبطاله وخطوطه العريضة، أو كانت أقرب إلى المذكرات والسيّر الذاتية، أو كانت خليطاً بين الحقيقي والخيالي فهي تضع بين أيدينا خبرات البشر ومكابداتهم وصراعهم المرير من أجل البقاء. وحيث يكتفي التاريخ برسم الخطوط العريضة للأحداث ويختزل كفاح المجموعات البشرية بزعمائها وقادتها، تتغلغل الرواية إلى المساحات المنسية من الوجود لتتقصى سير المهمشين والمغمورين وبناة الحضارة الحقيقيين الذين يطمسهم المؤرخون ويقفز عن ذكرهم كتبة السلاطين.
وسواء تناولت الرواية حياة القادة والحكام والجنرالات، أو تناولت حياة المحكومين والفقراء والجنود المجهولين للحضارة، فهي تنفذ في الحالتين إلى الداخل الإنساني الممزق بين الخير والشر، بين البؤس والنعيم، لكي تحقق بشكل أو بآخر عدالة النظر إلى الحقيقة، أو إلى الهواجس المشتركة بين البشر المختلفين في الظاهر والمتشابهين في القضايا الكبرى المتصلة بالحب والمرضى والشيخوخة والوحشة والموت.. بهذا تصبح الرواية ملحمة العصور المتأخرة وحاضنة أسئلتها وتحولاتها المصيرية بدءاً من «دون كيشوت» سيرفانتس ووصولاً إلى «معطف» غوغول و«مقامر» دوستويفسكي و «زوربا» كازانتزاكي وآخرين غيرهم، حيث بدا بعض أبطال الروايات قادرين على التأثير في طبائع الناس وسلَّم قيمهم أكثر بكثير من بشر فعليين يعيشون بين ظهرانينا، أو من منظِّرين إيديولوجيين يحاولون عبثاً أن يمسكوا بعنق التاريخ.
لقد انقسم الشعراء العرب المعاصرون بشكل حاد حول علاقتهم بالرواية وتقديرهم لأهميتها. ففي حين أعلن محمود درويش وغيره مرة افتتانه المفرط بهذا الفن الذي تمنى لو يجيد كتابته، بدا أدونيس أقل حماساً لفن السرد الذي رأى في معظم نصوصه نوعاً من الهذر اللغوي الفائض عن حاجة المعنى، بخلاف الشعر الذي يقوم وفق صاحب «أغاني مهيار الدمشقي» على الحذف والتكثيف والإضمار. وأعتقد أن ظلم أدونيس لهذا الفن ناجم عن مقاربته على المستوى النقدي بأدوات الشعر لا بأدوات الرواية، حيث لكل منهما معاييره ولغته ومعايير فشله أو نجاحه. وفي حين أن شعراء كثراً بالمقابل دفعهم افتتانهم بالرواية إلى كتابتها والخوض في غمارها، فإنني اكتفيت منها بمتعة القراءة، ليس فقط لأنني لا أجد في نفسي الأهلية ولا الجلد اللازمين لهذه المغامرة، بل لاعتقادي الجازم بأن الحياة أقلَّ من أن تتسع لضربين اثنين من ضروب الإبداع.
التعديل الأخير تم بواسطة مختفي ; 1 - 10 - 2015 الساعة 11:38 PM
ضوابط المشاركة
- تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- تستطيع الرد على المواضيع
- تستطيع إرفاق ملفات
- تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى