الحلقة 2 من "السراب": النشأة والأصول الفكرية للإسلام السياسي





24 - أبوظبي

أصدر مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية الدكتور جمال سند السويدي، مؤخراً كتاب "السراب"، وتتمحور فكرته الأساسية حول "السراب السياسي" الذي يترتب على الوهم الذي تسوقه الجماعات الدينية السياسية لشعوب العالمين العربي والإسلامي.

ويكشف الكتاب، عبر فصوله السبعة، حجم التضارب القائم بين فكر الجماعات الدينية السياسية وواقع التطور الحاصل في النظم السياسية والدولية المعاصرة، خاصة فيما يتعلق بمسألة التنافر بين واقع الأوطان والدول وسيادتها القانونية والدولية من ناحية، ومفهوم الخلافة الذي تتبناه هذه الجماعات من ناحية ثانية، كما يكشف هذا الكتاب علاقة الترابط الفكرية القائمة بين جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات المتطرفة التي ولدت في مجملها من رحم هذه الجماعة، وفي مقدمتها القاعدة وداعش.


الحلقة الثانية

الباب الأول: إطار نظري ومنهجي

الفصل الأول: الإسلام السياسـي بين الواقع والخرافة (2)


وفي نهاية القرن التاسع عشـر وبداية القرن العشـرين الميلاديين، ظهر الإسلام السياسـي منذ البداية على أنه محاولة لإنقاذ الإسلام من التراجع الحضاري والتغريب، ولاستعادة فترات الازدهار الإسلامي خلال العقود الأولى من الإسلام، بعد انكشاف حال المجتمعات المسلمة الرازحة تحت نير الاستعمار الغربي. ومع تقدم النظريات السياسية المدنية مع بداية القرن العشـرين الميلادي، خاصة مع بروز الوطنية والقومية، تحولت محاولة إحياء الدين إلى مشـروع سياسـي يؤمن بأن النهضة لن تحدث من دون جمع الأمة وبذل الجهود في المجال السياسـي العام، وباستغلال النص الديني والرموز، بحيث إن المشـروع الديني أصبح مشـروعاً لـ "الوطنية الإسلامية"، يسعى لتأطير الشعوب المسلمة واستدعاء اللحمة والوحدة الإسلامية. وكان أول تعبيرات الإسلام السياسـي الحديث في العالم العربي انطلاق جماعة الإخوان المسلمين في مصـر على يد حسن البنا عام 1928م، وذلك بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918م، وانهيار الخلافة العثمانية وإلغائها عام 1924م، وهي التي مثّلت الكيان السياسـي الإسلامي المستقل، بالرغم من الضعف الذي أصابها لقرون وعقود خلت.

وكان صعود جماعة الإخوان المسلمين لافتاً للنظر منذ تأسيسها وانتشارها سـريعاً، كما كان طرح حسن البنا لفكرته القائلة إن الدين الإسلامي معتقد متكامل وشامل، يقدم بديلاً للتغريب والمادية التي تهدد المجتمعات المسلمة وقتذاك. والطريقة الوحيدة لمناهضة التراجع المجتمعي والأخلاقي، بحسب البنا، كانت في العودة إلى جذور الدين، وبالتحديد إلى فترة الخلافة الراشدة في العقود الأولى لانتشار الدين الحنيف. وبرغم مزاعم جماعة الإخوان المسلمين حول هويتها الدينية في بدايات مرحلة التأسيس، فإنها سـرعان ما انخرطت في العمل السياسـي بشكل مباشـر بمجرد أن اصطدمت بالدولة المصـرية، خلال حقبة الاحتلال البريطاني لمصـر (1882-1952م)، وذلك غداة سعي الجماعة إلى تأسيس فروع لها في مدن مصـرية عدة، وفتح مؤسسات دينية وتعليمية وخيرية اعتبرتها الدولة المصـرية توسعاً غير مقبول، وتهديداً خطيراً لدور الدولة كمنظِّم للحياة العامة، ومن ثم تعزز بعد أن أنشأت الجماعة تنظيماً سـرياً لتنفيذ أجندتها عام 1938م، ثم إن جماعة الإخوان المسلمين لم تأبه لاحترام حقيقة وجود مواطنين مسيحيين، ما جعل أجهزة الدولة تعتبر الجماعة تهديداً للأمن الوطني والسلم الأهلي. كما أن جماعة الإخوان المسلمين بعد تدخلها في السياسة واشتباه السلطات الرسمية في أنشطة أعضائها، صدر قرار بحلها في 8 ديسمبر 1948م، عندما أصدر محمود فهمي النقراشـي، رئيس الحكومة المصـرية آنذاك، قراراً بحل الجماعة وحظر أنشطتها كافة بتهمة «التحريض والعمل ضد أمن الدولة»، وتلا ذلك بعشـرين يوماً تورط أحد عناصـر الجماعة في اغتيال النقراشـي في 28 ديسمبر من العام نفسه.

وكان ذلك هو قرار الحظر الأول في تاريخ الجماعة. وفي 12 فبراير 1949م، اغتيل مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا، بعد أن أطلق عليه مجهولان النار وفرا هاربين. وفي عام 1954م (عندما كانت العلاقات بين نظام عبدالناصـر وجماعة الإخوان المسلمين قوية)، صدرت الأحكام بإدانة جهات رسمية مصـرية آنذاك باتخاذ قرار اغتيال البنا انتقاماً لمقتل رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشـي عام 1948م، ما وفر للجماعة غطاءً سياسياً لتعزيز نفوذها والعمل ضد الدولة المصـرية بدعوى الحفاظ على الدين. وقد تأثر فكر حسن البنا كثيراً بالمفكرين المسلمين الذين عاشوا وكتبوا في القرن التاسع عشـر الميلادي، وكلهم كانوا متأثرين بالوضع المتردي للأمة الإسلامية آنذاك، وعمــلوا داخل حركــة النهضة العربية والإسلامية التي - وهذا مهم - تركزت في مصـر؛ حيث المفارقة كانت محتدمة بين الشعور الديني والتدين الواسع من جهة، والاحتلال البريطاني المنفتح من جهة ثانية. ومن بين من تأثر بهم البنا محب الدين الخطيب، وأبو الأعلى المودودي الذي عاش في جمهورية الهند، وكتب عن الدولة الإسلامية والخلافة. وكل هؤلاء تأثروا بفكر الإصلاحي محمد عبده الذي عاش وكتب في نهايات القرن التاسع عشـر الميلادي وبدايات القرن العشـرين الميلادي، ولكنهم ومعهم حسن البنا، حادوا عن فكر محمد عبده الأساسـي في الانفتاح على الغرب والاستفادة منه، وركزوا على محاربة الغرب ومناهضته، واتجهوا إلى تبني أفكار الإمام أحمد بن تيمية. وامتد تغييب الفكر الديني عن الحياة السياسية، إلى فترة ما بعد الاستقلال الوطني للدول العربية والإسلامية في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضـي، حين نشأت أنظمة وطنية قومية ومدنية، عمادها القوات المسلحة، ومتأثرة أيديولوجياً بالفكر الاشتراكي، وهي أنظمة واجهت أوضاعاً اقتصادية واجتماعية صعبة وأعدت خطط التنمية العديدة للتعامل معها. ولكن هذه الأنظمة الوطنية المدنية، وأهمها تلك التي صعدت في الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية وجمهورية العراق والجمهورية العربية السورية، قامت بتنحية الفكر الديني الأصولي عن العملية السياسية، وأوجدت بديلاً له فكراً دينياً وسطياً ومؤسسات دينية رسمية، ركزت على غرس قيم التسامح والاعتدال والانتماء إلى الوطن.

وفرضت هذه الأنظمة نفسها باعتبارها الجهة الوحيدة المخولة بتعريف الانتماء المجتمعي والشخصـي والديني للإنسان العربي والمسلم المعاصـر القاطن في أقطارها، كما أوجدت كيانات سياسية وأيديولوجية أخرى، لمواجهة تمدد الجماعات الدينية السياسية وأفكارها. وقد دعم الإخوان المسلمون ثورة يوليو 1952م في مصـر، معتبرين أنها طريقهم إلى تحقيق طموحهم في تأسيس الدولة الدينية السياسية الخالية من سيطرة الاستعمار الغربي والتغريب، وكان لهم علاقات جيدة مع بعض الضباط الأحرار، مثل: جمال عبدالناصـر، ومحمد أنور السادات، ومحمد عبدالحكيم عامر، وكمال الدين حسين عبدالرحمن، وإن كانت هذه العلاقات لم تكن تنظيمية بالمعنى الحقيقي. ولكن عمر العلاقة بين الطرفين لم يكن طويلاً؛ إذ إن الخلافات السياسية بين النظام الحاكم والجماعة أحبطت هذا التعاون. فالنظام تشكك في نيات الإخوان المسلمين وأهدافهم، بينما سعت الجماعة منذ عقد الثلاثينيات إلى الاستحواذ على الحكم. ويذكر أن قرار حل الأحزاب السياسية الذي صدر في 16 يناير 1953م لم يشمل جماعة الإخوان المسلمين؛ لأنها لم تكن مصنفة حينها حزباً سياسـياً.

ولكن الصدام بين الإخوان المسلمين والنظام المصـري بدأ عام 1954م عندما حلت الحكومة جماعة الإخوان المسلمين، ورد أحد أعضائها بمحاولة اغتيال عبدالناصـر في ميدان المنشية بالإسكندرية في 26 أكتوبر 1954م، ثم إن الجماعة اعتبرت أن قرارها بشأن التعاون مع النظام كان في غير محله؛ إذ إنه كان متوجهاً إلى تأسيس حكم وطني قومي مدني، بينما كان الإخوان المسلمون مهتمين بتحقيق حلم حسن البنا بالدولة الدينية. ولم يكن مسار جماعة الإخوان المسلمين في مصـر مختلفاً عن الشعب أو الفروع التابعة لها في البلدان العربية والإسلامية الأخرى ذات الأنظمة الوطنية والمدنية، فلقد تعرضت أنشطة عناصـر الإخوان المسلمين الآخرين في الدول العربية والإسلامية الأخرى إلى الفحص والمراجعة، لأنهم اعتُبِروا تهديداً للأمن والاستقرار الداخلي، وبمرور الوقت تحول الخلاف الأيديولوجي إلى معركة وجود بين الفكر الوطني المدني والفكر الديني السياسـي. وكان أمام الجماعات الدينية السياسية في الدول العربية والإسلامية ثلاثة خيارات: إما الإذعان لفكرة المواطنة واستحقاقاتها والتخلي عن طموحاتها ومصالحها السياسية وفكرها الديني المتشـدد، وإمـا الاستمـرار في مواجهـة الدولـة، وإمـا الهـروب إلـى خارج البلاد. وبينما انسحب كثيرون من أتباع هذه الجماعات من المعركـة مـع الأنظمـة الحاكمة، بقي بعضهم في وضع الصـراع معها ودخلـوا السجون، بينما قرر الكثيرون الهرب إلى دول الخليج العربية، المستقلة منها والمستعمرة؛ حيث قامت استراتيجيتهم على الذوبان وسط المجتمعات والانخراط في مؤسساتها والتغلغل إلى العقول من خلال دورهم في بناء أنظمتها التعليمية ومؤسساتها الاجتماعية، ومن أبرز عناصـر جماعة الإخوان المسلمين التي استقرت في دول الخليج العربية في تلك الفترة يوسف عبدالله القرضاوي الذي استقر في قطر منذ عام 1961م. وكانت فترة النصف الثاني من الستينيات أساسية في تحول فكر الإسلام السياسـي إلى العنف، مع ظهور كتابات سيد قطب 1906-1966م، ومن أبرزها كتاب معالم في الطريق، الذي آمن بفكر أبي الأعلى المودودي وخرج على طروحات غيره من المفكرين الإسلاميين، ودفع باتجاه جعل الأجندة الإسلامية رافضة للواقع المسيطر على المجتمعات العربية والإسلامية وقتها. كما دعا إلى العنف في الدول العربية والإسلامية وفي الغرب أيضاً، وتطبيق أجندة تجذير الحركة الإسلامية (بمعنى العودة بها إلى الجذور الأولى للإسلام)، من أجل تأسيس الحكم الإسلامي الصحيح، وهو حكم الله على الأرض، الذي سمي فيما بعد بالحاكمية. وفي ذلك يرى سيد قطب أن الحكم لا يكون إلا لله، فهو مقصور عليه، سبحانه وتعالى، بحكم ألوهيته، ومعتبراً أن الحاكمية من خصائص الألوهية، ومن نازع الله سبحانه أهم خصائص الألوهية، وادعاها، فقد كفر بالله كفراً صـريحاً، ويصبح كفره من المعلوم من الدين بالضـرورة، ومن ثم يصبح تشـريع الأحكام، وسن القوانين من حقه، سبحانه وتعالى، وما دونه لم يأذن به الله. وعلى هذا يرى سيد قطب أن من ادعى الحاكمية لنفسه، أو أنكرها عنه سبحانه، واتبع غير ما أنزل الله أو حكم بغيره، فقد كفر، وأصبح مرتداً خارجاً عن ملة الإسلام. ومفهوم الحاكمية في الفكر السياسـي الإسلامي يقابله مصطلح السيادة في الفكر السياسـي الحديث، ويتمحور الجدل في الفكر الإسلامي حول حدود التداخل بين كيانين مرتبطين بالقانون وتطبيقه طبقاً للفكر السياسـي الحديث، فهناك كيان مفترض له حق وضع القانون ابتداء؛ أي إنه يمارس "السيادة"، أما الكيان الثاني فله حق ممارسة السيادة وتطبيق القانون ولو بالإكراه هو ما يعبر عنه بالسلطة، فالسيادة على هذا، هي مصدر السلطة، أما السلطة فهي ممارسة السيادة. وبناء على هذا الإطار المفاهيمي، يمكن القول إن مشاركة جماعة الإخوان المسلمين، على سبيل المثال، في الانتخابات البرلمانية في بعض الدول العربية والإسلامية وما تسفر عنه هذه الانتخابات من مجالس تشـريعية تعمل ضمن النظم السياسية المتعارف عليها، يعد انتهاكاً صـريحاً لأسس فكرة "الحاكمية"، وبالتالي مخالفة لشـرع الله بحسب مفهوم الجماعة، كون التشـريع وسن القوانين يمثلان أحد أبرز مهام هذه المجالس؛ ما يعكس التضارب الواضح بين الفكر النظري والممارسة التطبيقية، حيث يركز الأول على الالتزام الظاهري بالدين، بينما تخضع الثانية لحسابات المصالح السياسية والمنطق النفعي للجماعة.

ويمكن العودة إلى سيد قطب كأحد الأوائل المؤسسين للأصولية والتطرف في الإسلام السياسـي، بعد أن كان عضواً متشدداً في جماعة الإخوان المسلمين، حيث اعتبر قطب أن المسلمين وغيرهم يعيشون في "الجاهلية"، وأن الطريقة الوحيدة للتخلص من حالة التردي والتراجع الثقافي والحضاري هي الجهاد ضد الأنظمة القائمة. كما اعتبر قطب أن تغيير المجتمعات يحصل بالثورة والعنف وتطبيق الشـريعة الإسلامية، وإعادة بناء الخلافة الإسلامية وتطبيق حاكمية الله. ولتبرير الدعوة إلى القتل، خاصة قتل المسلم للمسلم في أثناء الحرب على "الجاهلية"، استحضـر قطب مفهوم التكفير لمن اعتبرهم مخالفين لتعاليم الإسلام، أو غير إسلاميين بالشكل الكافي. وقد خص سيد قطب المجتمع الذي وصفه بالجاهلي بصفات تدين في باطنها الكثير من المجتمعات المسلمة، حيث حدد طبيعة المجتمع الجاهلي بأنه: لا يشترط بالضـرورة أن يكون أهله ينكرون وجود الله.. فالمجتمع الجاهلي هو الذي يبيح للناس أن يتعبدوا في المساجد، ولكن يحرم عليهم أن يطالبوا بتحكيم الشـريعة في حياتهم . فالمجتمع الإسلامي من منظور سيد قطب ليس هو الذي يضم أناساً "يسمون أنفسهم مسلمين، بينما شـريعة الإسلام لا تترجم في القوانين التي يطبقها مجتمعهم ودولتهم، ولا يغفر لهؤلاء إن صلوا وصاموا وحجوا بيت الله الحرام"، الأمر الذي يتناقض تماماً مع قول المولى، عزّ وجلّ، في القرآن الكريم: ﴿فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ * لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ﴾، والمخاطب هنا في الآيات الكريمة هو أعظم خلق الله وأشـرفهم، رسول الله ﷺ، وفي ذلك قال ابن عباس في تفسير قول الله عزّ وجلّ ﴿لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ﴾ أنها تعني: لست عليهم بجبار؛ أي لست تخلق الإيمان في قلوبهم، وقال ابن زيد في ذلك: لست بالذي تُكرههم على الإيمان.
وفي تأثير فكر سيد قطب يقول عبدالله عزام: الذين دخلوا أفغانستان يدركون الأثر العميق لأفكار سيد قطب في الجهاد الإسلامي وفي الجيل كله فوق الأرض كلها، إن بعضهم لا يطلب منك لباساً وإن كان عارياً، ولا طعاماً وإن كان جائعاً، ولا سلاحاً وإن كان أعزل، ولكنه يطلب منك كتب سيد قطب. وسيد قطب كان معلماً من صعيد مصـر، ابتعثته وزارة المعارف المصـرية لدراسة النظم التعليمية والتربوية في الولايات المتحدة الأمريكية خلال الفترة من أغسطس 1948م حتى أغسطس 1950م. ولم يكن يوماً يعتقد أنه سيصبح بالشهرة التي حصل عليها، ولكنه لعب دور "الضحية" خلال فترة سجنه منذ عام 1954م، وتم تصويره على أنه ضحية للتعذيب والدفاع عن الحق ما أسهم في توسيع انتشار فكره المتشدد. كما استفاد قطب من فترة سجنه التي امتدت عشـرة أعوام، والتي كتب خلالها أفكاره ورؤيته للأسس الإسلامية للدولة والمجتمع. ومن أهم أعماله كتاب في ظلال القرآن، وكذلك معالم في الطريق، الذي هُرِّب من السجن بمعرفة أختَيه. وأطلق

سـراح سيد قطب عام 1964م، ليعاد اعتقاله في أغسطس عام 1965م مع آلاف من عناصـر الجماعات الدينية السياسية الذين اتهموا بالتخطيط لأعمال عسكرية واغتيالات لمسؤولين حكوميين، وأعدم عام 1966م. وفي كتابه معالم في الطريق، بنى قطب على الأسس التي وضعها كل من أبي الأعلى المودودي وحسن البنا، ولكنه توسع في تفسير قضية الجهاد، قائلاً: إنه أمر مشـروع ضد التيار المدني وأعداء الإسلام [من وجهة نظره بطبيعة الحال] من كل نوع، والجهاد في هذه الحالة ليس خياراً مشـروعاً فحسب، ولكنه أمر مقدس أيضاً للتخلص من كل القوى التي تحول بين الناس والإسلام الصحيح. كما رفض قطب وجود بديل وسطي في مسائل الإيمان، خاصة في قضايا الحكم. ومثلت الهزيمة التي لحقت بأنظمة الحكم العربية المدنية على يد إسـرائيل في حرب يونيو 1967م، نقطة تحول نوعية في مسار الجماعات الدينية السياسية، فبعد فشل هذه الأنظمة في تحقيق التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي وعدت بها شعوبها لسنوات طويلة، جاءت هزيمة 1967م لتبينها على حالها كأنظمة محدودة الإنجاز على صعيد الحكم والمؤسسات والسياسات. وأتصور أن الفشل في مواجهة إسـرائيل واستعادة حقوق الفلسطينيين، وما تسببت به هزيمة 1967م وخسارة المزيد من الأراضـي لمصلحة إسـرائيل وما أفرزته من شعور شعبي بالإحباط والهزيمة والإهانة، قد مثلت عوامل محفزة لانتشار فكر الجماعات الدينية السياسية في تلك الفترة. وفي أوائل السبعينيات، ومع التغيير من نظام عبدالناصـر بعد وفاته عام 1970م إلى نظام الرئيس الأسبق محمد أنور السادات، انفتح أمام الجماعات الدينية السياسية مجال واسع للحركة والانتشار، خصوصاً في الجامعات، وبدأت هذه الجماعات في التخطيط للسيطرة على مؤسسات مهنية ونقابات، ونجحت في مسعاها مع انحسار تأثير الشباب الناصـري في هذه الكيانـات.



النشأة والأصول الفكرية للإسلام السياسي


ثانياً: النشأة والأصول الفكرية للإسلام السياسـي

وفي نهاية القرن التاسع عشـر وبداية القرن العشـرين الميلاديين، ظهر الإسلام السياسـي منذ البداية على أنه محاولة لإنقاذ الإسلام من التراجع الحضاري والتغريب، ولاستعادة فترات الازدهار الإسلامي خلال العقود الأولى من الإسلام، بعد انكشاف حال المجتمعات المسلمة الرازحة تحت نير الاستعمار الغربي. ومع تقدم النظريات السياسية المدنية مع بداية القرن العشـرين الميلادي، خاصة مع بروز الوطنية والقومية، تحولت محاولة إحياء الدين إلى مشـروع سياسـي يؤمن بأن النهضة لن تحدث من دون جمع الأمة وبذل الجهود في المجال السياسـي العام، وباستغلال النص الديني والرموز، بحيث إن المشـروع الديني أصبح مشـروعاً لـ "الوطنية الإسلامية"، يسعى لتأطير الشعوب المسلمة واستدعاء اللحمة والوحدة الإسلامية. وكان أول تعبيرات الإسلام السياسـي الحديث في العالم العربي انطلاق جماعة الإخوان المسلمين في مصـر على يد حسن البنا عام 1928م، وذلك بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918م، وانهيار الخلافة العثمانية وإلغائها عام 1924م، وهي التي مثّلت الكيان السياسـي الإسلامي المستقل، بالرغم من الضعف الذي أصابها لقرون وعقود خلت.




وكان صعود جماعة الإخوان المسلمين لافتاً للنظر منذ تأسيسها وانتشارها سـريعاً، كما كان طرح حسن البنا لفكرته القائلة إن الدين الإسلامي معتقد متكامل وشامل، يقدم بديلاً للتغريب والمادية التي تهدد المجتمعات المسلمة وقتذاك. والطريقة الوحيدة لمناهضة التراجع المجتمعي والأخلاقي، بحسب البنا، كانت في العودة إلى جذور الدين، وبالتحديد إلى فترة الخلافة الراشدة في العقود الأولى لانتشار الدين الحنيف. وبرغم مزاعم جماعة الإخوان المسلمين حول هويتها الدينية في بدايات مرحلة التأسيس، فإنها سـرعان ما انخرطت في العمل السياسـي بشكل مباشـر بمجرد أن اصطدمت بالدولة المصـرية، خلال حقبة الاحتلال البريطاني لمصـر (1882-1952م)، وذلك غداة سعي الجماعة إلى تأسيس فروع لها في مدن مصـرية عدة، وفتح مؤسسات دينية وتعليمية وخيرية اعتبرتها الدولة المصـرية توسعاً غير مقبول، وتهديداً خطيراً لدور الدولة كمنظِّم للحياة العامة، ومن ثم تعزز بعد أن أنشأت الجماعة تنظيماً سـرياً لتنفيذ أجندتها عام 1938م، ثم إن جماعة الإخوان المسلمين لم تأبه لاحترام حقيقة وجود مواطنين مسيحيين، ما جعل أجهزة الدولة تعتبر الجماعة تهديداً للأمن الوطني والسلم الأهلي.


كما أن جماعة الإخوان المسلمين بعد تدخلها في السياسة واشتباه السلطات الرسمية في أنشطة أعضائها، صدر قرار بحلها في 8 ديسمبر 1948م، عندما أصدر محمود فهمي النقراشـي، رئيس الحكومة المصـرية آنذاك، قراراً بحل الجماعة وحظر أنشطتها كافة بتهمة «التحريض والعمل ضد أمن الدولة»، وتلا ذلك بعشـرين يوماً تورط أحد عناصـر الجماعة في اغتيال النقراشـي في 28 ديسمبر من العام نفسه. وكان ذلك هو قرار الحظر الأول في تاريخ الجماعة. وفي 12 فبراير 1949م، اغتيل مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا، بعد أن أطلق عليه مجهولان النار وفرا هاربين. وفي عام 1954م (عندما كانت العلاقات بين نظام عبدالناصـر وجماعة الإخوان المسلمين قوية)، صدرت الأحكام بإدانة جهات رسمية مصـرية آنذاك باتخاذ قرار اغتيال البنا انتقاماً لمقتل رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشـي عام 1948م، ما وفر للجماعة غطاءً سياسياً لتعزيز نفوذها والعمل ضد الدولة المصـرية بدعوى الحفاظ على الدين.

وقد تأثر فكر حسن البنا كثيراً بالمفكرين المسلمين الذين عاشوا وكتبوا في القرن التاسع عشـر الميلادي، وكلهم كانوا متأثرين بالوضع المتردي للأمة الإسلامية آنذاك، وعمــلوا داخل حركــة النهضة العربية والإسلامية التي - وهذا مهم - تركزت في مصـر؛ حيث المفارقة كانت محتدمة بين الشعور الديني والتدين الواسع من جهة، والاحتلال البريطاني المنفتح من جهة ثانية. ومن بين من تأثر بهم البنا محب الدين الخطيب، وأبو الأعلى المودودي الذي عاش في جمهورية الهند، وكتب عن الدولة الإسلامية والخلافة. وكل هؤلاء تأثروا بفكر الإصلاحي محمد عبده الذي عاش وكتب في نهايات القرن التاسع عشـر الميلادي وبدايات القرن العشـرين الميلادي، ولكنهم ومعهم حسن البنا، حادوا عن فكر محمد عبده الأساسـي في الانفتاح على الغرب والاستفادة منه، وركزوا على محاربة الغرب ومناهضته، واتجهوا إلى تبني أفكار الإمام أحمد بن تيمية.

وامتد تغييب الفكر الديني عن الحياة السياسية، إلى فترة ما بعد الاستقلال الوطني للدول العربية والإسلامية في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضـي، حين نشأت أنظمة وطنية قومية ومدنية، عمادها القوات المسلحة، ومتأثرة أيديولوجياً بالفكر الاشتراكي، وهي أنظمة واجهت أوضاعاً اقتصادية واجتماعية صعبة وأعدت خطط التنمية العديدة للتعامل معها. ولكن هذه الأنظمة الوطنية المدنية، وأهمها تلك التي صعدت في الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية وجمهورية العراق والجمهورية العربية السورية، قامت بتنحية الفكر الديني الأصولي عن العملية السياسية، وأوجدت بديلاً له فكراً دينياً وسطياً ومؤسسات دينية رسمية، ركزت على غرس قيم التسامح والاعتدال والانتماء إلى الوطن.

وفرضت هذه الأنظمة نفسها باعتبارها الجهة الوحيدة المخولة بتعريف الانتماء المجتمعي والشخصـي والديني للإنسان العربي والمسلم المعاصـر القاطن في أقطارها، كما أوجدت كيانات سياسية وأيديولوجية أخرى، لمواجهة تمدد الجماعات الدينية السياسية وأفكارها.

وقد دعم الإخوان المسلمون ثورة يوليو 1952م في مصـر، معتبرين أنها طريقهم إلى تحقيق طموحهم في تأسيس الدولة الدينية السياسية الخالية من سيطرة الاستعمار الغربي والتغريب، وكان لهم علاقات جيدة مع بعض الضباط الأحرار، مثل: جمال عبدالناصـر، ومحمد أنور السادات، ومحمد عبدالحكيم عامر، وكمال الدين حسين عبدالرحمن، وإن كانت هذه العلاقات لم تكن تنظيمية بالمعنى الحقيقي. ولكن عمر العلاقة بين الطرفين لم يكن طويلاً؛ إذ إن الخلافات السياسية بين النظام الحاكم والجماعة أحبطت هذا التعاون. فالنظام تشكك في نيات الإخوان المسلمين وأهدافهم، بينما سعت الجماعة منذ عقد الثلاثينيات إلى الاستحواذ على الحكم. ويذكر أن قرار حل الأحزاب السياسية الذي صدر في 16 يناير 1953م لم يشمل جماعة الإخوان المسلمين؛ لأنها لم تكن مصنفة حينها حزباً سياسـياً. ولكن الصدام بين الإخوان المسلمين والنظام المصـري بدأ عام 1954م عندما حلت الحكومة جماعة الإخوان المسلمين، ورد أحد أعضائها بمحاولة اغتيال عبدالناصـر في ميدان المنشية بالإسكندرية في 26 أكتوبر 1954م، ثم إن الجماعة اعتبرت أن قرارها بشأن التعاون مع النظام كان في غير محله؛ إذ إنه كان متوجهاً إلى تأسيس حكم وطني قومي مدني، بينما كان الإخوان المسلمون مهتمين بتحقيق حلم حسن البنا بالدولة الدينية.




ولم يكن مسار جماعة الإخوان المسلمين في مصـر مختلفاً عن الشعب أو الفروع التابعة لها في البلدان العربية والإسلامية الأخرى ذات الأنظمة الوطنية والمدنية، فلقد تعرضت أنشطة عناصـر الإخوان المسلمين الآخرين في الدول العربية والإسلامية الأخرى إلى الفحص والمراجعة، لأنهم اعتُبِروا تهديداً للأمن والاستقرار الداخلي، وبمرور الوقت تحول الخلاف الأيديولوجي إلى معركة وجود بين الفكر الوطني المدني والفكر الديني السياسـي. وكان أمام الجماعات الدينية السياسية في الدول العربية والإسلامية ثلاثة خيارات: إما الإذعان لفكرة المواطنة واستحقاقاتها والتخلي عن طموحاتها ومصالحها السياسية وفكرها الديني المتشـدد، وإمـا الاستمـرار في مواجهـة الدولـة، وإمـا الهـروب إلـى خارج البلاد. وبينما انسحب كثيرون من أتباع هذه الجماعات من المعركـة مـع الأنظمـة الحاكمة، بقي بعضهم في وضع الصـراع معها ودخلـوا السجون، بينما قرر الكثيرون الهرب إلى دول الخليج العربية، المستقلة منها والمستعمرة؛ حيث قامت استراتيجيتهم على الذوبان وسط المجتمعات والانخراط في مؤسساتها والتغلغل إلى العقول من خلال دورهم في بناء أنظمتها التعليمية ومؤسساتها الاجتماعية، ومن أبرز عناصـر جماعة الإخوان المسلمين التي استقرت في دول الخليج العربية في تلك الفترة يوسف عبدالله القرضاوي الذي استقر في قطر منذ عام 1961م.

ظهور قطب

وكانت فترة النصف الثاني من الستينيات أساسية في تحول فكر الإسلام السياسـي إلى العنف، مع ظهور كتابات سيد قطب 1906-1966م، ومن أبرزها كتاب معالم في الطريق، الذي آمن بفكر أبي الأعلى المودودي وخرج على طروحات غيره من المفكرين الإسلاميين، ودفع باتجاه جعل الأجندة الإسلامية رافضة للواقع المسيطر على المجتمعات العربية والإسلامية وقتها. كما دعا إلى العنف في الدول العربية والإسلامية وفي الغرب أيضاً، وتطبيق أجندة تجذير الحركة الإسلامية (بمعنى العودة بها إلى الجذور الأولى للإسلام)، من أجل تأسيس الحكم الإسلامي الصحيح، وهو حكم الله على الأرض، الذي سمي فيما بعد بالحاكمية. وفي ذلك يرى سيد قطب أن الحكم لا يكون إلا لله، فهو مقصور عليه، سبحانه وتعالى، بحكم ألوهيته، ومعتبراً أن الحاكمية من خصائص الألوهية، ومن نازع الله سبحانه أهم خصائص الألوهية، وادعاها، فقد كفر بالله كفراً صـريحاً، ويصبح كفره من المعلوم من الدين بالضـرورة، ومن ثم يصبح تشـريع الأحكام، وسن القوانين من حقه، سبحانه وتعالى، وما دونه لم يأذن به الله. وعلى هذا يرى سيد قطب أن من ادعى الحاكمية لنفسه، أو أنكرها عنه سبحانه، واتبع غير ما أنزل الله أو حكم بغيره، فقد كفر، وأصبح مرتداً خارجاً عن ملة الإسلام.




مفهوم الحاكمية

ومفهوم الحاكمية في الفكر السياسـي الإسلامي يقابله مصطلح السيادة في الفكر السياسـي الحديث، ويتمحور الجدل في الفكر الإسلامي حول حدود التداخل بين كيانين مرتبطين بالقانون وتطبيقه طبقاً للفكر السياسـي الحديث، فهناك كيان مفترض له حق وضع القانون ابتداء؛ أي إنه يمارس "السيادة"، أما الكيان الثاني فله حق ممارسة السيادة وتطبيق القانون ولو بالإكراه هو ما يعبر عنه بالسلطة، فالسيادة على هذا، هي مصدر السلطة، أما السلطة فهي ممارسة السيادة. وبناء على هذا الإطار المفاهيمي، يمكن القول إن مشاركة جماعة الإخوان المسلمين، على سبيل المثال، في الانتخابات البرلمانية في بعض الدول العربية والإسلامية وما تسفر عنه هذه الانتخابات من مجالس تشـريعية تعمل ضمن النظم السياسية المتعارف عليها، يعد انتهاكاً صـريحاً لأسس فكرة "الحاكمية"، وبالتالي مخالفة لشـرع الله بحسب مفهوم الجماعة، كون التشـريع وسن القوانين يمثلان أحد أبرز مهام هذه المجالس؛ ما يعكس التضارب الواضح بين الفكر النظري والممارسة التطبيقية، حيث يركز الأول على الالتزام الظاهري بالدين، بينما تخضع الثانية لحسابات المصالح السياسية والمنطق النفعي للجماعة.

ويمكن العودة إلى سيد قطب كأحد الأوائل المؤسسين للأصولية والتطرف في الإسلام السياسـي، بعد أن كان عضواً متشدداً في جماعة الإخوان المسلمين، حيث اعتبر قطب أن المسلمين وغيرهم يعيشون في "الجاهلية"، وأن الطريقة الوحيدة للتخلص من حالة التردي والتراجع الثقافي والحضاري هي الجهاد ضد الأنظمة القائمة. كما اعتبر قطب أن تغيير المجتمعات يحصل بالثورة والعنف وتطبيق الشـريعة الإسلامية، وإعادة بناء الخلافة الإسلامية وتطبيق حاكمية الله. ولتبرير الدعوة إلى القتل، خاصة قتل المسلم للمسلم في أثناء الحرب على "الجاهلية"، استحضـر قطب مفهوم التكفير لمن اعتبرهم مخالفين لتعاليم الإسلام، أو غير إسلاميين بالشكل الكافي. وقد خص سيد قطب المجتمع الذي وصفه بالجاهلي بصفات تدين في باطنها الكثير من المجتمعات المسلمة، حيث حدد طبيعة المجتمع الجاهلي بأنه:

لا يشترط بالضـرورة أن يكون أهله ينكرون وجود الله.. فالمجتمع الجاهلي هو الذي يبيح للناس أن يتعبدوا في المساجد، ولكن يحرم عليهم أن يطالبوا بتحكيم الشـريعة في حياتهم .

فالمجتمع الإسلامي من منظور سيد قطب ليس هو الذي يضم أناساً "يسمون أنفسهم مسلمين، بينما شـريعة الإسلام لا تترجم في القوانين التي يطبقها مجتمعهم ودولتهم، ولا يغفر لهؤلاء إن صلوا وصاموا وحجوا بيت الله الحرام"، الأمر الذي يتناقض تماماً مع قول المولى، عزّ وجلّ، في القرآن الكريم: ﴿فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ * لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ﴾، والمخاطب هنا في الآيات الكريمة هو أعظم خلق الله وأشـرفهم، رسول الله ﷺ، وفي ذلك قال ابن عباس في تفسير قول الله عزّ وجلّ ﴿لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ﴾ أنها تعني: لست عليهم بجبار؛ أي لست تخلق الإيمان في قلوبهم، وقال ابن زيد في ذلك: لست بالذي تُكرههم على الإيمان.

وفي تأثير فكر سيد قطب يقول عبدالله عزام:
الذين دخلوا أفغانستان يدركون الأثر العميق لأفكار سيد قطب في الجهاد الإسلامي وفي الجيل كله فوق الأرض كلها، إن بعضهم لا يطلب منك لباساً وإن كان عارياً، ولا طعاماً وإن كان جائعاً، ولا سلاحاً وإن كان أعزل، ولكنه يطلب منك كتب سيد قطب.





أسس المودودي والبنا

وسيد قطب كان معلماً من صعيد مصـر، ابتعثته وزارة المعارف المصـرية لدراسة النظم التعليمية والتربوية في الولايات المتحدة الأمريكية خلال الفترة من أغسطس 1948م حتى أغسطس 1950م. ولم يكن يوماً يعتقد أنه سيصبح بالشهرة التي حصل عليها، ولكنه لعب دور "الضحية" خلال فترة سجنه منذ عام 1954م، وتم تصويره على أنه ضحية للتعذيب والدفاع عن الحق ما أسهم في توسيع انتشار فكره المتشدد.

كما استفاد قطب من فترة سجنه التي امتدت عشـرة أعوام، والتي كتب خلالها أفكاره ورؤيته للأسس الإسلامية للدولة والمجتمع. ومن أهم أعماله كتاب في ظلال القرآن، وكذلك معالم في الطريق، الذي هُرِّب من السجن بمعرفة أختَيه. وأطلق سـراح سيد قطب عام 1964م، ليعاد اعتقاله في أغسطس عام 1965م مع آلاف من عناصـر الجماعات الدينية السياسية الذين اتهموا بالتخطيط لأعمال عسكرية واغتيالات لمسؤولين حكوميين، وأعدم عام 1966م. وفي كتابه معالم في الطريق، بنى قطب على الأسس التي وضعها كل من أبي الأعلى المودودي وحسن البنا، ولكنه توسع في تفسير قضية الجهاد، قائلاً: إنه أمر مشـروع ضد التيار المدني وأعداء الإسلام [من وجهة نظره بطبيعة الحال] من كل نوع، والجهاد في هذه الحالة ليس خياراً مشـروعاً فحسب، ولكنه أمر مقدس أيضاً للتخلص من كل القوى التي تحول بين الناس والإسلام الصحيح. كما رفض قطب وجود بديل وسطي في مسائل الإيمان، خاصة في قضايا الحكم.

ومثلت الهزيمة التي لحقت بأنظمة الحكم العربية المدنية على يد إسـرائيل في حرب يونيو 1967م، نقطة تحول نوعية في مسار الجماعات الدينية السياسية، فبعد فشل هذه الأنظمة في تحقيق التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي وعدت بها شعوبها لسنوات طويلة، جاءت هزيمة 1967م لتبينها على حالها كأنظمة محدودة الإنجاز على صعيد الحكم والمؤسسات والسياسات. وأتصور أن الفشل في مواجهة إسـرائيل واستعادة حقوق الفلسطينيين، وما تسببت به هزيمة 1967م وخسارة المزيد من الأراضـي لمصلحة إسـرائيل وما أفرزته من شعور شعبي بالإحباط والهزيمة والإهانة، قد مثلت عوامل محفزة لانتشار فكر الجماعات الدينية السياسية في تلك الفترة. وفي أوائل السبعينيات، ومع التغيير من نظام عبدالناصـر بعد وفاته عام 1970م إلى نظام الرئيس الأسبق محمد أنور السادات، انفتح أمام الجماعات الدينية السياسية مجال واسع للحركة والانتشار، خصوصاً في الجامعات، وبدأت هذه الجماعات في التخطيط للسيطرة على مؤسسات مهنية ونقابات، ونجحت في مسعاها مع انحسار تأثير الشباب الناصـري في هذه الكيانـات.