-






ما وراء اختفاء الأسلوبية



*جريدة الخليج



عبداللطيف الزبيدي:

من دواعي الحيرة في كتابات العقود الأخيرة من القرن العشرين فصاعداً، ضرب عرض الحائط بفنون الأساليب. فهل العزف المتميّز على اللغة موضات تظهر ثم تختفي، تعمرّ بضعة عقود أو قرناً أو أكثر، ثم تتوارى وقد تعود.


وراء السؤال مكر متعمّد: ما الذي يجعل جيلاً لا يكترث لتجويد لغته، ولا يحرص على توفير مستحضرات تجميلها؟ هل السبب زهد الأقلام في مستلزمات الشكل وعكوفها على رفع دعائم المضمون؟ إن صحّ هذا وصدق، فإن أبناء اليوم إذاً مدججّة أدمغتهم بأسمى القيم وأسنى الغايات، وأنهم يزدرون القشر ولا يرتضون غير اللباب. والشك جائز.


لقائل أن يقول: إن الأسلوبيّة ذات الزخرف والزينة تجاوزها الزمن ولم يعد العصر يطيق زواحف التطريز اللغويّ، فاللغة اليوم لها جناحان من ريش الرقائق الحاسوبية، تكاد تضيق ذرعاً بسرعة الضوء. فلم يعد الكاتب يبحث عن التميّز على طريقة الجاحظ، أبي حيان، ابن العميد إلى الرافعي، وكذلك الشعر، فلو قرأت قصيدة نثر فتحدّ السامعين فلن يعرفوا صاحبها. ولآخر أن يقول إن هذه الظاهرة عامّة، وإن كانت طامّة، فلا أعلام عمالقة بعدُ في أيّ مجال في سائر أرجاء الأرض، عدا نجوم الفن الذين يتألق حتى الآفل منهم. وما أكثر الذين يحبّون الآفلين. حتى في العلوم توارى الأعلام الذين كانوا يشغلون الدنيا وأهلها. صاروا يطلعون يوماً أو بعض يوم في نوبل وتطوى الصفحة.


لا جدال في أن الفنون الأسلوبية مسائل ذوقيّة تختلف من عصر إلى عصر. فلا أحد ينتظر افتتاحية صحيفة على طريقة التوحيديّ، وإن كان فعلها الجزائري الرائع محمد البشير الإبراهيمي في «البصائر»، في القرن الماضي، وكان لها أروع الصدى. اليوم محال. ولكن تجويد الأسلوب وترقيص اللغة، لا يعني العودة إلى مقامات الحريري في وسائط الإعلام أو في القصة القصيرة. فالسعي إلى التفرّد في الأسلوب يجب أن تزرعه المناهج في الأجيال. ولعل في ألوان الرياضة ما يسعف، فالسرعة في التسييف لا تستدعي إلغاء الرشاقة وجمال الحركة ودقة التوازن. وكذلك في كرة القدم والسلة والمضرب والسباحة. سرعة إيصال المعنى وخفته، لا تلغيان الجمالية، مثل الحركة السريعة في الموسيقى: جمال وسرعة وسلامة في الذوق والبنيان.


لزوم ما يلزم: النتيجة الأسلوبية: يقولون إن الفن هو ما يجعل من الشكل أسلوباً.