الحلقة 5 من "السراب": الخلط بين الدين والسياسة في العالَمين العربي والإسلامي





24 - أبوظبي

أصدر مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية الدكتور جمال سند السويدي، مؤخراً كتاب "السراب"، وتتمحور فكرته الأساسية حول "السراب السياسي" الذي يترتب على الوهم الذي تسوقه الجماعات الدينية السياسية لشعوب العالمين العربي والإسلامي.

ويكشف الكتاب، عبر فصوله السبعة، حجم التضارب القائم بين فكر الجماعات الدينية السياسية وواقع التطور الحاصل في النظم السياسية والدولية المعاصرة، خاصة فيما يتعلق بمسألة التنافر بين واقع الأوطان والدول وسيادتها القانونية والدولية من ناحية، ومفهوم الخلافة الذي تتبناه هذه الجماعات من ناحية ثانية، كما يكشف هذا الكتاب علاقة الترابط الفكرية القائمة بين جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات المتطرفة التي ولدت في مجملها من رحم هذه الجماعة، وفي مقدمتها القاعدة وداعش.



الحلقة الخامسة


الفصل الثاني| الدين والسياسة: علاقة تاريخية وصـراع دائم (2)


أسباب الخلط بين الدين والسياسة

ثانياً: أسباب الخلط بين الدين والسياسة في العالَمين العربي والإسلامي

يرى باحثون أن الفكرة الأساسية القائلة إن الدين الإسلامي لا يفرق بين الدين والدولة ترجع في صحتها إلى الدولة الإسلامية الأولى، التي أسسها النبي محمد ﷺ، في المدينة المنورة في السنوات الأولى من الدعوة الإسلامية. فهناك جمع القائد في شخص النبي ﷺ، النبوة والقيادة السياسية والعسكرية ليتوجه بالمسلمين إلى الفتوحات وإلى عالم جديد لم يعرفوه في الجاهلية. وبعد وفاة النبي ﷺ، استمر الخلفاء في جمع الديني والدنيوي في شخصهم، لشـرح المبادئ الدينية وتوسيع الدعوة والجغرافيا الإسلامية وحل النزاعات بين أفراد الأمة، والتشـريع في قضاياها، ولهذا أصبح الخليفة الآمر الناهي في كل شؤون الدين والدنيا، مع ملاحظة أن حرص الخلفاء على أخذ البيعة من المسلمين، يعكس إدراكاً ضمنياً بأن الأمة هي مصدر السلطات الفعلي، بحسب التوصيف السياسـي الحديث لهذا المسلك. ولكن بالرغم من هذا التاريخ غير القابل للدحض، فقد أسهمت التطورات التي شهدها العالَمان العربي والإسلامي في تقليل حدة التداخل بين الدين والسياسة، ولاسيما مع تطور المجتمعات الإسلامية وتعقد تركيبتها وبنيتها الثقافية والدينية والاجتماعية.





كما يمكن اعتبار العلاقة العضوية الدائمة بين الدين والدولة علاقة كانت تخدم مصالح بعض الأنظمة السياسية في العالَمين العربي والإسلامي. وهذا ينطبق على النموذج المصـري في حقبة أوائل السبعينيات من القرن الماضـي، حين جاء استخدام الدين وسيلة للسيطرة السياسية كإحدى سياسات الرئيس المصـري الأسبق محمد أنور السادات. وتبعه في ذلك الرئيس الأسبـق محمد حسنـي مبـارك، الذي وإن لم يعطِ الفرصـة للإسلاميـين للتأثـير العميق في سياسـة الدولـة خلال فترة حكمه، فإنه لم يعُدْ إلى الدولة المدنيـة.

كما يبقى استخدام الخلط بين الدين والسياسة وسيلة للجماعات الدينية السياسية بمختلف مناحيها الفكرية وممارساتها للوصول إلى الحكم والسلطة، في محاولة منها لإعادة استنساخ نموذج الدولة الإسلامية الأولى. ويقول خالد الدخيل، إن شعار "الإسلام دين ودولة" هو مجرد شعار براق يرجى منه خدمة المشـروع السياسـي لجماعة الإخوان المسلمين. ولعل ما أعطى أطروحات الإسلام السياسـي عن الدين والدولة بعض فرص الانتشار، اعتقاد المستمعين له أنه الجواب الأكيد على الانحطاط الذي أصاب العالَمين العربي والإسلامي، بعد الاستعمار وسيطرة الغرب على المقدرات المحلية، والإهانة المزدوجة الآتية من أن المستعمر هو الغرب المسيحي، الذي لا يزال يعتبر موطن الكفر والإلحاد من وجهة نظر الجماعات الدينية السياسية بالرغم من تقدمه السياسـي والاقتصادي والاجتماعي.

أما السبب الموضوعي الأخير للاستمرار في محاولة الخلط بين الدين والسياسة، فهو غياب العامل الاقتصادي الشبيه بالحالة الأوروبية في نهاية القرون الوسطى، حين ازدهرت طبقة جديدة في أوروبا من حاملي رأس المال والصناعيين المستفيدين من فصل سيطرة الكنيسة المسيحية عن الدولة التي أرادوا تأسيسها لحماية مصالحهم الاقتصادية. فالعالَمان العربي والإسلامي لم يشهدا تغييراً في وضعيهما الاقتصاديين، ومركزية دور الدولة في تحقيق التنمية البشـرية والهيكلية، كما لم يشهدا نشوء طبقة اقتصادية مستقلة عن الدولة برأس مالها الوافي المستقل، وإن كانت تتمتع بالثراء المادي. والطبقة الرأسمالية العربية والإسلامية لا تعير وضع دولها الاقتصادي، أو وضع شعوبها، أي انتباه، إذ إنها لجأت إلى تهريب أموالها إلى البنوك الغربية هرباً من سيطرة الدولة على مقدرات الأمور، ومن احتمالات حدوث احتجاجات وتظاهرات شعبية بسبب الفقر والحرمان.

فصل الدين عن السياسة

من ناحية ثانية، استطاعت بعض الدول الإسلامية غير العربية، وبالتحديد تركيا وإندونيسيا وماليزيا، أن تفصل بين ما هو ديني وما هو سياسـي، من دون التخلي عن الدين كمنظومة اجتماعية يعيشها الشعب، وقادرة على مسايرة العصـر. ففي تركيا، تم فصل الدين عن الدولة بعد قرون من تربّع السلطان أو الخليفة العثماني على عرش إمبراطورية امتدت في فترات مختلفة من أقاصـي شمال إفريقيا إلى الخليج العربي وأوروبا الجنوبية، ولكن هذا الفصل نجح لأن الإمبراطورية نفسها عانت جميع أنواع المشكلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في قرنها الأخير، خاصة لأنها لم تستطع اللحاق بركب الحداثة التي استفادت منها أوروبا، بالضبط لأنها اعتمدت على الحداثة العلمية وفصلت الدين عن الدولة.

وهنا لا بد من توضيح رؤية أتاتورك التي ارتكزت على ستة مبادئ مهمة من الناحيتين المؤسسية والاجتماعية، هي: تفضيل الهيكل الجمهوري للحكم (مع أنه حكم وكأنه ملك)، ونشـر الفكر المدني في الدولة والمجتمع، والتركيز على القومية التركية (بدل دمجها في قوميات المسلمين الآخرين)، واللجوء إلى الشعبوية في الشعارات والتطبيق، وبناء الدولة القوية غير المتنازع على حكمها مع أصحاب المصالح ومنهم رجال الدين، والإصلاح في جميع نواحي الحياة التركية بعد قرون من الحكم المستبد المستند إلى الدين. وبعد الحرب العالمية الثانية والاستقطاب الدولي بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي السابق، ساعدت هذه الأرضية الإصلاحية في الدولة التركية الحديثة على نقل البلاد من دولة على هامش الأحداث والتطورات الدولية (عُرفت الإمبراطورية العثمانية في آخر أيامها باسم "رجل أوروبا المريض" وهو اللقب الذي أطلقه الأوروبيون عليها)، إلى دولة حديثة في صلب التحالفات الدولية، وأهمها حلف شمال الأطلسـي (ناتو)، وتتوق اليوم إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

إندونيسيا

وفي إندونيسيا، خاصة منذ التسعينيات من القرن الماضـي، وبعد الانفتاح السياسـي الذي تبع انهيار نظام الرئيس الأسبق محمد سوهارتو، ساعدت مؤسسات الدولة على فتح المجال لمناقشة قضايا عدة اعتبرت سابقاً محرمة، مثل تولي المرأة رئاسة الجمهورية أو تحديد دور الشـريعة في الحكم، فالدولة الإندونيسية منذ أيام مؤسسها أحمد سوكارنو كانت قد فصلت الدين عن السياسة، كما حدث في مصـر خلال فترة حكم الرئيس الأسبق جمال عبدالناصـر، ولم يكن التغيير من نظام الاستبداد أيام سوهارتو إلى الحكم الديمقراطي فرصة للإسلاميين لفرض أنفسهم على الدولة والمجتمع، بل وجد هؤلاء أنفسهم غير قادرين على الإجابة عن أبسط الأسئلة في الحكم، وعلى رأسها كيفية تحقيق التنمية بأبعادها المختلفة وتطوير الأداء الاقتصادي لخدمة المواطنين، ما أضعفهم في المجال السياسـي العام. بالإضافة إلى هذا، قام المفكرون الإندونيسيون بطرح الكثير من الأمور للمناقشة العامة، كدور المرأة أو الشـريعة في السياسة، وأيضاً مسألة حقوق الإنسان والتعليم والثقافة العامة. ومع أن إندونيسيا، الدولة الإسلامية الأكثر سكاناً في العالم، لا تزال تعاني مشكلات اقتصادية واجتماعية بسبب كبر حجمها وعدد سكانها، فإنه لا يظهر أن مسألة مدنية الدولة أو تدينها أمر قابل للبحث أو تعتبره الدولة أو المجتمع قضية غير محسومة. والغرابة عند مقارنة إندونيسيا بالعالم العربي تكمن في أنها وقعت تحت الاحتلال الأوروبي قروناً، وعانت كثيراً في الحرب العالمية الثانية، وتضم عدداً كبيراً من السكان، بمعنى أنها شبيهة كثيراً تاريخياً واجتماعياً بالعالم العربي، ولكنها نجحت في تحقيق الفصل بين الدين والسياسة، بينما فشل العالم العربي حتى الآن في تحقيق ذلك الهــدف.





النموذج التنموي الماليزي

أما ماليزيا، فقد تمكنت منذ استقلالها عام 1957م من تحويل نفسها من بلد زراعي فقير يعتمد على محيطه في جميع النواحي الاقتصادية والاجتماعية الأخرى، إلى دولة حديثة صناعية ومركز للتجارة العالمية، وذلك على الأقل جزئياً بسبب قبولها فصل الدين عن الدولة، والقبول بالتعددية الإثنية والدينية فيها، فالمسلمون الذين يشكلون نحو 60% من مجموع السكان، لا يشعرون بأنهم بحاجة إلى فرض دينهم على غيرهم، أو أنهم بحاجة إلى أن يؤسسوا دولة يعتبر فيها غير المسلمين أنفسهم من أهل الذمة. وكما يقول بولنت كينيش، وهو صحفي تركي، فإن ماليزيا نجحت كدولة لأنها قبلت أن تكون دولة للجميع، ورجال الدين فيها يعتبرون أن الإسلام هو الحداثة وهو عنوان الوحدة الاجتماعية والسلم الأهلي. اقتصادياً، أصبحت ماليزيا نمراً آسيوياً يقدم فيه قطاعا الصناعة والتجارة نحو 90% من الدخل القومي، وارتفع معدل الدخل السنوي للفرد، ليصل في عام 2014م إلى نحو 11 ألف دولار أمريكي، بينما وصل معدل نمو الدخل المحلي الإجمالي (معدل النمو الاقتصادي) السنوي في عام 2014م إلى 5.9%. ما يعني أن الدولة الماليزية التي اتخذت قراراً باللحاق بركب الحداثة، لم تعانِ من قضية فصل الدين عن السياسة، بل هي أمّنت لنفسها سلاماً اجتماعياً وسياسياً ساعدها على تحقيق الرخاء المطلوب شعبياً، والأمن والاستقرار المرجو داخلياً وفي العلاقات الدولية.

في المقابل، تشير التجربة السودانية بعد انقلاب يونيو 1989م، إلى أن خلط الديني بالدنيوي غير مرغوب فيه، وقد يقود إلى تداعيات سلبية تؤثر في تطور المجتمعات واستقرار الدول. والانقلاب العسكري الذي قاده عمر حسن البشير بتشجيع من رئيس الحركة الإسلامية في السودان، حسن عبدالله الترابي، انتهى منقسماً على نفسه لأن القائمين على المشـروع الإسلامي كانوا سياسيين طامحين إلى السلطة، وغير عابئين بما يمكن لمشـروعهم أن يتسبب فيه من مشكلات اقتصادية وسياسية واجتماعية وأمنيـة.





كما تعتبر مسألة فرض الشـريعة الإسلامية على مجتمع متعدد الأديان والإثنيات، السبب الرئيسـي في اندلاع الحرب الأهلية في الثمانينيات من القرن الماضـي، والتي انتهت بانفصال القسم الجنوبي عن الشمال وفي تأسيس دولة جنوب السودان، بضمانات دولية وإقليمية لم تكن لتأتي لولا التشبث برؤية تحقيق الدولة الإسلامية على أرض الواقع. والجدير بالذكر اليوم أن طرفي العملية السياسية في السودان، عمر البشير وحسن الترابي، قد وجدا في الفترة الأخيرة ما يعيد جمع شملهما، بعد أن تسببت مغامراتهما السياسية الملبسة بالإطار الديني، في تفكيك البلاد وإضعافها.





كما تعطي الجمهورية الإسلامية الإيرانية مثالاً سلبياً آخر على نتائج الربط العضوي والمؤسسـي بين الدين والدولة، واعتبار أن الشـريعة الإسلامية تحتوي على كل ما تحتاج إليه الدولة للتطور والتقدم. فبعد التخلص من الشاه عام 1979م، وبعده التخلص من الحلفاء الوطنيين من القوى المدنية الأخرى التي شاركت في الثورة في السنتين الأوليين بعدها، قام قادة الثورة الإسلامية بتأسيس نظام إسلامي شمولي مبني على أفكار مرشد الثورة وقائدها آية الله الخميني. ولكن هذا النظام لم يهتم بإجراء أي تغييرات في شكل النظام الاقتصادي الذي كان فقراء إيران يعانون وطأته خلال حكم الشاه. وبدلاً من ذلك وضع النظام الجديد مزيداً من القيود على المرأة، وأضاف مزيداً من الأعباء على الاقتصاد الذي تعرَّض لعقوبات دولية طويلة أثرت سلبياً في حياة المواطنـين.

فصل الدين عن الدولة لا يعني إلغاء الدين من الحياة العامة أو منع المسلمين من ممارسة شعائرهم الدينية، وارتياد المساجد وتحقيق الحياة الروحية التي يروجونها.