-




فكرة



*جريدة الخليج



نور المحمود:

جاءت وحيدة. مرت من أمامه، فشعر بأن شيئاً أضاء ليجذبه. أعجبته، بل طار بها فرحاً. حملها وأسرع ليحكي عنها لأهل بيته. لم يعرف كيف يقدمها لهم، حكى كثيراً لكن كل ما قاله بقي أقل مما هي عليه، فأحس بأنه عاجز عن تقديمها بكل ما فيها من إبهار، وأنها في عينيه أجمل بكثير مما ينطق به لسانه.


ليس وحده من يشعر بهذا العجز أمام «فكرة» تطرأ على باله، يحبها، يتمسك بها، وأكثر من ذلك يصل إلى حدود الإيمان المطلق بها، يحكي مع نفسه عنها بوضوح وأحياناً تتسع دائرتها لتصبح «مشروعاً» و«خطة» وربما بداية خطوة على طريق المستقبل. «الفكرة» تطرق أبواب كل الناس، قد تولد من كلمة، من موقف أو حدث أو صورة.. وتولد أيضاً من أمنية. هناك من يعرف كيف يطورها وأحياناً تموت قبل أن ينطق بها، وأحياناً أيضاً يشعر الإنسان بأنها تبهت حين يحكي عنها، لأنها في عقلنا تكون صافية واضحة، مختصرة ومحددة، وأجمل بكثير من الكلام الذي يحتاج إلى الالتئام والتوافق والترتيب كي يوصلها إلى الآخرين.


وأنت، هل تعرف كيف تقدمها وتخرجها إلى النور كي تتحول من مجرد خيال إلى واقع؟ هل يمكنك أن تحكي كل فكرة تلمع في ذهنك فتترجمها فعلاً كما كانت حلماً؟ لا يملك الجميع القدرة على تحويل أفكارهم إلى أفعال، كما لا يلتقط الجميع إشارات الأفكار بشكل صحيح. ومن يملك تلك القدرة يعرف كيف يبهر الآخرين، وكيف يطور من فكرته فتتحول غالباً إلى عمل جماعي ناجح.


«فكرة» تطرق كل الأبواب. كل ما تحتاجه أن تجد من يسمعها ويبالي فيهتم بتطويرها. و«فكرة» يمكنها أن تكون طيبة كما يمكنها أن تكون «شيطانية»، فهي ابنة العقل، وكل عقل يجسد ذات صاحبه وباطنه الذي يخبئه.


ما أصعبها حين تأتيك فتفرح بها ثم تهرب منك. تفلت من بين يديك خصوصاً لو طرقت بابك لتوقظك من النوم. تحوم حولك، تحثك على الاستيقاظ لتدونها على ورقة، وإذا تكاسلت وأجلتها للصباح معتقداً أنك قبضت عليها وسجنتها فيك، إذا بذاكرتك تخونك، تتآمر مع النسيان عليك، يسرقان الفكرة ويطلقان سراحها أثناء نومك.


تمشي متجولاً في أزقة عقلك باحثاً عن «فكرة» أحببتها كثيراً، أقلقت منامك ومشيت معها خطوات وأنت تسرد جملاً في بالك عنها، فكيف تبخرت؟ ترى شبيهات لها، لكنك تحرص على الإمساك بالأصلية.


النسيان يسقط «فكرة»، التكاسل يهدم «فكرة»، والإهمال يحبط «فكرة»، ناهيك عن التآمر الذي يقتل «فكرة». وهناك من يسرق «فكرة» فيتبناها ويدعي أنه والدها وأمها، ولسهولة السرقة يصبح محترفاً ويسعد بالنجاح المزيف.


أما من يساعدك على «إنجاب» فكرة، فهو إنسان مبدع، أو كتاب أو محطة سفر.. إن وصلتك «الفكرة»، فالتقطها ودعها تحملك إلى حيث الوعد والغد.