الحلقة 6 من "السراب": خلط الدين بالسياسة والبديل المدني في الحالة العربية والإسلامية




24 - أبوظبي

أصدر مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية الدكتور جمال سند السويدي، مؤخراً كتاب "السراب"، وتتمحور فكرته الأساسية حول "السراب السياسي" الذي يترتب على الوهم الذي تسوقه الجماعات الدينية السياسية لشعوب العالمين العربي والإسلامي.

ويكشف الكتاب، عبر فصوله السبعة، حجم التضارب القائم بين فكر الجماعات الدينية السياسية وواقع التطور الحاصل في النظم السياسية والدولية المعاصرة، خاصة فيما يتعلق بمسألة التنافر بين واقع الأوطان والدول وسيادتها القانونية والدولية من ناحية، ومفهوم الخلافة الذي تتبناه هذه الجماعات من ناحية ثانية، كما يكشف هذا الكتاب علاقة الترابط الفكرية القائمة بين جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات المتطرفة التي ولدت في مجملها من رحم هذه الجماعة، وفي مقدمتها القاعدة وداعش.


الحلقة السادسة

الفصل الثاني| الدين والسياسة: علاقة تاريخية وصـراع دائم (3)

خلط الدين بالسياسة والبديل المدني لدمج الدين والسياسة في الحالة العربية والإسلامية


ثالثاً: الآثار المحتملة لخلط الدين بالسياسة

إن ما ورد هو مجرد تحليل سـريع ومقتضب لقضية المزج بين الديني والدنيوي في العالَمين العربي والإسلامي، وعرض موجز لدول إسلامية نجحت في فصلها بين الدين والسياسة، وتمكنت من تحقيق إنجازات سياسية واقتصادية واجتماعية بالرغم من الصعاب التي عاشتها والعقبات الكثيرة التي واجهتها في طريقها. وفي هذا الجزء من الفصل، سأقوم بعرض الأضـرار الناجمة عن خلط الدين بالسياسة، وهي قضية تجاوزتها الدول المدنية الغربية وبعض الدول الإسلامية من خلال فصل الدين عن السياسة منذ فترة طويلة فيما لا يزال العالَمان العربي والإسلامي يواجهان تبعاتها في سياق جدلية "تديين السياسة"، أي إضفاء صبغة دينية على التوجهات السياسية للدولة، و"تسييس الدين"، بمعنى توظيف الدين لأغراض سياسية. هذا مع العلم، أن فصل الدين عن الدولة لا يعني بأي شكل من الأشكال، وبالضـرورة، إلغاء الدين من الحياة العامة أو منع المسلمين من ممارسة شعائرهم الدينية وارتياد المساجد وتحقيق الحياة الروحية التي يرجونها. كما يجب التذكير في هذا المجال بأن فصل الدين عن السياسة، يجب عدم النظر إليه على أنه إدخال أفكار جديدة على الحياة الاجتماعية المسلمة، تفرض عليها استحضار النموذج الغربي في كل شـيء اجتماعي، أو تغيير العادات والتقاليد الدينية القديمة، التي هي أساس التراثين العربي والإسلامـي.

ويمكن النظر إلى أوجه الضـرر التالية من خلط الدين بالسياسة في العالَمين العربي والإسلامي المعاصـر:

1. إن الخلط المؤسسـي والحقيقي بين الدين والسياسة، يسيس الدين ويدخل عليه آفات معروفة في العمل السياسـي، مثل الصفقات السياسية والتحالفات الآنية وتلاقي المصالح المادية ووضع المشـروعات قصيرة المدى والقابلة للتغيير بسبب الضـرورات. وهكذا يتسبب الخلط بين الدين والسياسة بجعل الدين أقل قدسية مما هو عليه وأقل قرباً من الحقيقة الإلهية الأزلية المنصوص عليها في الرسالة النبوية. ويقول رضوان السيد إن هناك خوفاً على الدين في زمن صعود الإسلام السياسـي، من أربعة مناحٍ لخّصها على الشكل التالي: الأول، الخوف من مقولة تطبيق الشـريعة، لأنها مقولة أيديولوجية لا مستند لها، بل هي نتاج توترات الهوية في العالَمين العربي والإسلامي. الثاني، الزعم أن الدين هو نظام متكامل يحتوي على ما تتطلبه السياسة وما يريده الاقتصاد. الثالث، إعطاء الدولة مهمات دينية مثل مهمة تطبيق الشـريعة، وهو ما يُنقِص الدولة مهمتها في دعم المواطَنة المتساوية. الرابع، إدخال الدين في الصـراعات السياسية، ما سيتسبب بخلق مشكلات للجميع.

2. يساعد خلط الدين بالسياسة على إعطاء بعض رجال الدين وأعضاء الجماعات الدينية السياسية الأحقية على غيرهم في تقرير مصير الأمة، وفي هذا تجاوز لدور أصحاب الخبرة في الإدارة والسياسة والاقتصاد. كما أن فرض التفسير الديني على الأمور السياسية يرغمها على ألا تكون ديناميكية ومرنة، وهما صفتان من صفات العمل السياسـي المعاصـر، حيث الحركة الدائمة والتغيير يؤكدان التجدد في الدولة والمجتمع، فطرح الجماعات الدينية السياسية لفكرة الخلافة، على سبيل المثال، يعتبر أساساً من أسس المشـروع السياسـي لهذه الجماعات، وهي بذلك تؤكد عدم إيمانها بأي شكل حديث أو معاصـر للحكم. كذلك الأمر بالنسبة إلى إعطاء أعضاء قادة هذه الجماعات الدور القيادي في الحكم والحكومة، حيث قامت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بتسليم قيادة الدولة للملالي (رجال الدين) باعتبار أنهم معصومون من الفساد وغير قابلين للإفساد، وهذا غير صحيـح.



3. يزيد دمج الدين في السياسة من إمكانات الشقاق والفرقة، بين المسلمين أنفسهم بمذاهبهم ومعتقداتهم، وبينهم وبين العالم غير الإسلامي بشكل عام، ففي الدولة الإسلامية الأولى، حدثت الفتنة الكبرى على خلفية الأحقية في الخلافة بعد وفاة النبي ﷺ، وبقي ذلك الخلاف قائماً حتى يومنا هذا، معبراً عن نفسه في انقسام الأمة الإسلامية إلى فرق ومذاهب متباينة ومتصارعة. أما اليوم، فيعمل التشدد في الإيمان بالمذاهب على تعميق الفجوة بينها، وهي الفجوة التي تؤثر في وحدة المسلمين في العالَمين العربي والإسلامي. وفي ذلك يقول رضوان السيد إنه إلى جانب الخلاف العربي-الإيراني، هناك خلاف بين شقَّي الإسلام السياسـي السني الجهادي الذي أخذ على عاتقه محاربة الشيعة والغرب في آنٍ واحدٍ، والحزبي التنظيمي المتمثل في جماعة الإخوان المسلمين الذي أخذ على عاتقه محاربة الأنظمة العربية، ما يفرز بالتبعية أزمات في الوعي الوطني العربي، خاصة عند الشباب، الذين يعانون اختلال الموازين الدينية.

4. إن خلط الدين بالسياسة يعطي الدولة التسلطية التي تستخدم الدين في أيديولوجيتها، الحق في فرض أسلوب حياة معين قد يحد من قدرة المسلمين على النجاح والإبداع في دنياهم، وتحسين أوضاعهم المعيشية والارتقاء ببلدانهم. وفي هذا السياق يرى أحد الباحثين أن الأنظمة التي فرضت تاريخياً المزج بين الدين والسياسة على مجتمعاتها، فرضت طريقة للعيش وقمعت الحريات الفردية والاجتماعية ومنعت التغيير بحجة تأثيره السلبي في المجتمع، وهي في الحقيقة تسعى إلى إبقاء نفسها في السلطة.

5. إن خلط الدين بالسياسة يفتح المجال أمام الانزلاق نحو الحروب والعنف والأزمات، حيث يسهل النموذج الديني في الحكم مسألة إيجاد "المبررات الشـرعية" لخوض الحروب بحسب رغبة مثل هذه الأنظمة، وبغض النظر عن حسابات الأمن الوطني للدول واعتباراته، لأن الدولة الدينية تمنع بداهة مناقشة الدين ومسائل الجهاد وسلطات "الخليفة".

من ناحية ثانية، وكما لدمج الدين في السياسة مضار وسلبيات على الفرد والدولة والمجتمع والدين نفسه، فإن هناك فوائد متعددة لفصل الدين عن السياسة، منها الآتي:

1. عند اتضاح دور الدين في الدولة ومكانه، وسياق عمل الدولة وأيديولوجيتها المدنية، من المتوقع أن يشعر الإنسان المنتمي إلى هذه الدولة بحقوقه عليها وواجباته تجاهها بشكل أكثر جدية. والقول بأهمية الدولة المدنية يعني الاعتراف بأهمية العيش المشترك وبناء المجتمع المتعاون، بالرغم من الاختلافات الممكنة بين مكوناته حول هذا الأمر أو ذلك. كما يعني المشاركة في بناء النظام السياسـي المنفتح والمؤسس للسلام الاجتماعي وفق مبدأ المواطنة وتطبيقاً لسيادة القانون. وفي هذا تطبيق لمبادئ المصلِح الديني والاجتماعي الإمام محمد عبده، الذي لم يرَ بديلاً للتعاون الاجتماعي فيما يخدم التطور والسلم الاجتماعيين.



2. يساعد فصل الدين عن الدولة على توسيع المساحة الثقافية للمجتمع، وعلى تأمين إسهامات جميع أفراد المجتمع في إثرائه فكرياً وفنياً، خاصة في المجتمعات التعددية، كمجتمعات المشـرق العربي في الجمهورية اللبنانية والجمهورية العربية السورية وجمهورية العراق، وأيضاً في جمهورية مصـر العربية ودول شمال غرب إفريقيا ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وإذا تحققت الدولة المدنية، فإن جميع السكان سيشعرون بأنهم مواطنون من درجة واحدة، لهم الحريات نفسها وعليهم الواجبات نفسها، وهم قادرون على الوصول إلى جميع نواحي الحياة العامة. وينطبق هذا بالتحديد على الجماعات غير المسلمة التي تعيش في البلدان ذات الأغلبية الإسلامية، إذ حينها تجد أنها قادرة على الانضمام إلى الحركة الفكرية والثقافية في أوطانها، غير قلقة على مصيرها. ولعل النهضة العربية والإسلامية بين القرنين التاسع عشـر والعشـرين الميلاديين يمكن أن تكون معياراً لتجديد مشاركة الجميع في استعادة الماضـي العربي والإسلامي، وتدعيم حركة التنمية الإنسانية، من دون فضل لأحد على الآخر.

3. خارج العالَمين العربي والإسلامي، من المفترض أن يساعد فصل الدين عن الدولة على تسهيل عملية اندماج المسلمين في دول المهجر ومجتمعاتها، لأنهم يكونون قد اعتادوا قبل هجرتهم على العيش في مجتمع منفتح وتعددي، وهم إذا شاركوا في تلك المجتمعات، فسيشاركون في تقرير مصيرهم ومصير عائلاتهم في المستقبل. حتى إنهم سيكونون في وسط تجربة إنسانية تندمج فيها أديان وثقافات وإثنيات مختلفة، وكل منها يقدم ما استطاع لإغناء بيئته وتوسيع مساحة معرفته. كما يمكن للمسلمين المتمرسين في تفكير الغرب أن يخدموا دينهم من خلال انفتاحهم على الآخر وتشكيل التحالفات المفيدة لتقدم الجالية المسلمة في البلدان الغربية.

4. فصل الدين عن السياسة وإتاحة المجال لفئات المجتمع وطوائفه كافة للمساهمة في مسيرته التنموية من شأنه أن يقدم صورة إيجابية لأي دولة في الخارج ويقلل من حدة الضغوط الخارجية والدولية عليها تحت مزاعم احترام حقوق الإنسان أو حماية الحريات الدينية، فهذه الحقوق أصبحت مهمة دولياً، وأي انتهاك لها يعرِّض الدولة للمساءلة والعقـاب.


رابعاً: البديل المدني لدمج الدين والسياسة في الحالة العربية والإسلامية

بالخروج عن النموذج العربي الإسلامي، الذي لم يتمكن حتى الآن من فصل الدين عن الدولة بشكل واسع، يطرح بعضهم بدائل تكون أمثلة لما هو مرغوب فيه في هذه المرحلة من التطور العربي والإسلامي السياسـي والاجتماعي والاقتصادي، فهناك النموذج الفرنسـي الذي قد يذهب بعيداً في طرح الصيغ المدنية وتغييب الدين كلية عن الحياة العامة، حتى إنه رفض السماح للمسلمات في المجتمع الفرنسـي بارتداء النقاب في الأماكن العامة. ويذكر في هذا المجال أن تركيا أيضاً، حتى قبل فترة قصيرة، منعت الرداء الإسلامي في الأماكن العامة، في تطبيق حرفي لمبادئ العلمانية المتشددة التي أسّس أتاتورك الدولة التركية الحديثة على أساسها، وانتهى هذا المنع رسمياً في أوائل أكتوبر عام 2013م بعد نشـر قانون بهذا الشأن في الجريدة الرسمية التركية "رسمي جازيتا"، حيث أصبح من الممكن ارتداء الحجاب الإسلامي في المؤسسات الحكومية في تركيا.



أما النموذج الآخر فهو النموذج الأمريكي في فصل الدين عن الدولة، وهو نموذج معتدل ولا يرضخ للإشكاليات الناجمة عن تدخلات الدولة أو إدارتها، كما تفعل الدولة الفرنسية اليوم أو كما فعلت الدولة التركية بالأمس. وأساس التوجه المدني الأمريكي، الذي وجد أرضيته الأيديولوجيـة في التاريـخ الإنجليـزي وحركة الإصلاح الديني الأوروبي في القرنين الخامس عشـر والسادس عشـر الميلاديين، هو حرية الفرد في أن يقرر ما يشاء في أموره الخاصة، من دون تدخل حكومي، أو بأدنى مستوى منـه. وفي الحقيقة، يمثل فصل الدين عن الدولة في الولايات المتحدة الأمريكيـة، تحقيقـاً لفكـرة نـزع السلطـة المطلقـة مـن الكنيسـة الكاثوليكيـة لمصلحـة الدولة، فيما تراجعت الكنيسة لتكون مصدراً للقوة الروحانيـة فقـط. وفي المجمل فإن للنموذج الأمريكي وجهين: أولهما يتعلق بعدم السماح للكنائس بالتدخل في الشأن السياسي، وثانيهما يرتبط بعدم انغماس المؤسسات السياسية في المسائل الدينية.

والبداية في الولايات المتحدة الأمريكية كانت في كتابة الدستور الأمريكي بعد إعلان الاستقلال والحرب التي تبعته، بين عامي 1776م و1787م. ونشـر الدستور عام 1787م، وبعده نشـرت "لائحة الحقوق" عام 1791م، وهي المؤلفة من عشـرة تعديلات، وكان التعديل الأول هو الذي نص على أنه لا يجوز للكونجرس الأمريكي أن يقوم بوضع أي قوانين خاصة بتأسيس أي دين أو ممارسته. ولكن الدستور والتعديلات عليه لم تشمل أي إشارات إلى عبارة "فصل الدين عن الدولة"، كما أن التعديل الأول لم يأتِ لإلغاء الدين من الحياة العامة، أي إن الدولة لا تقوم بتمويل أي خطط من أجل منع الدين أو نشـره، وإنما لمنع تدخله في أمور الدولة، وبالتالي لتأكيد احترام هذه الدولة لجميع الأديان الموجودة فيها، وأنها لا توظف مؤسساتها في خدمة دين محدد. والحقيقة من وراء الصياغة هي أن المؤسسين للدولة الجديدة في الولايات المتحدة الأمريكية لم يريدوا تكرار ما كان موجوداً في أوروبا التي تركوها، والتي اضطهدت عدداً كبيراً منهم، وكان لها دين محدد، واعتبرت غيره دخيلاً على الحياة الاجتماعية والروحية للأوروبيين.

وفصل الدين عن الدولة الأمريكية جاء في وعد قطعه الرئيس الأمريكي الثاني، توماس جيفرسون، في العقد الأول من القرن التاسع عشـر الميلادي، لمجموعة من المعمدانيين المسيحيين الذين خافوا على إقامة دين موحد للدولة. وقال توماس جيفرسون في وعده لهم إن التعديل الأول للدستور يقف كـ"حائط فصل" بين الدين والدولة. بعد ذلك، درج التعبير وأصبحت السياسة الأمريكية متمحورة حول أحقية الفصل بين المفهومين، في حين أن الولايات المتحدة الأمريكية كدولة وكمجتمع بقيت على تدينها حتى الآن. واليوم، هناك عدد غير قليل من القضايا أمام المحاكم الأمريكية، بعضهـا يجـادل من أجـل المزيد من الدين في الحياة العامـة، وبعضهـا الآخر يناقش كيفية التخلص من بقايا الديـن في الحياة العامـة.



وقرار تحييد الدين عن الدولة في الولايات المتحدة الأمريكية لا يصل إلى منعه في مؤسسات هذه الدولة، وليس غريباً أن يشترك الرئيس الأمريكي، على سبيل المثال، في صلاة في الكنيسة، أو أن يقسم على الإنجيل عند تسلم ولايته، فالمحظور أمريكياً هو جعل الدين والتدين مدخلاً للمشاركة في الحياة السياسية. وفي الحقيقة، هناك ما يسمى "الدين المدني" الذي يحكم العلاقات بين الدين والدولة. وهناك تعددية دينية كبيرة في الولايات المتحدة الأمريكية، مع أن المسيحيين على اختلاف مشاربهم يشكلون الأكثرية بين الأمريكيين. ولقد نشـرت مؤسسة جالوب نتائج استطلاع للرأي تضمن إحصاءً عن التوزيع الديني في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2012م، كما في الشكل (2-1)، الذي يظهر أن المسيحيين تصل نسبتهم إلى 77.3% من عدد السكان (51.9% بروتستانت، و23.3% كاثوليك، و2.1% مورمونيون)، فيما تبلغ نسبة اليهود 1.6%، والمسلمين 0.6%، و ونحو 15% من دون دين محدد، و2.6% من ديانات أخرى غير مسيحية، بينما 2.2% من عينة استطلاع مؤسسة جالوب لم تقدم إجابة عند سؤالها عن دينها.

ولكن النصوص الدستورية والقوانين المانعة لوجود دين موحد للبلاد أو المعاقِبة على تخطي الفصل بين الدين والدولة في الولايات المتحدة الأمريكية، لم تنجح دائماً في منع التمييز والملاحقات والحوادث الدينية، حتى على أيدي السلطات. والتاريخ الديني في الولايات المتحدة الأمريكية مملوء بالحوادث المخجلة ضد من اعتبرتهم الأغلبية "الكفار" أو الغرباء، من بروتستانتيين إلى كاثوليك إلى يهود ومسلمين وسكان البلاد الأصليين الذين كانوا عند وصول المستوطنين الأوائل يجهلون ماهية الدين المسيحي، بالرغم من إيمانهم بآلهتهم الخاصة بهم.

ولعل المشكلة التي واجهت المسلمين في نيويورك في العقد الأول من الألفية الثالثة، عندما أرادوا بناء مسجد في منطقة "غراوند زيرو" في المدينة (حيث كان الموقع السابق لبرجي التجارة العالمية)، تعبر عن شعور غامض وغريب عند الأمريكيين، الذين يفتخرون بكونهم منفتحين على الأديان جميعها، برفض ما لا يفهمونه.

ولكن ما يغري في النموذج الأمريكي من فصل الدين عن الدولة، هو الحق في الدفاع عن الحقوق الشخصية في الصحافة والإعلام والمحاكم. وبالرغم من حقيقة فشل بعض القضايا في المحاكم أو المجال العام، بسبب ضعف الحجة أو جهل العامة، حتى في قضية بناء المسجد قرب موقع هجمات الحادي عشـر من سبتمبر 2001م، كان للعمل الاجتماعي والتعاون بين الأديان التأثير الأكبر، فلقد دعم قسم كبير من اليهود والمسيحيين والتيار المدني، حتى الرئيس الأمريكي باراك أوباما، قضية المسجد، لما اعتبره الجميع عنواناً للتقارب الديني الذي يمكن أن يرسخ السلام الاجتماعي الداخلي. في النهاية، وبعد الكثير من العناء والتواصل بين الناشطين والسياسيين والمدافعين عن الحريات الشخصية والدينية، تحقق الهدف وافتتح المسلمون المسجد على مقربة من موقع الهجمات.

ما بين النموذجين الفرنسـي والأمريكي، هناك العديد من النماذج الأخرى التي يمكن لكل مجتمع أو دولة في العالَمين العربي والإسلامي الاستفادة منها في تحقيق فك الارتباط القسـري بين الدين والدولة، بشكل يحفظ للدين مكانته الروحية المقدسة ودوره الإيجابي البناء في خدمة البشـرية وعمارة الأرض ونشـر الفضيلة، ويمنح في الوقت نفسه الدولة حرية الحركة والمرونة في جهودها لتحقيق التنمية الشاملة والرفاهية والسعادة والاستقرار الاجتماعي لمواطنيها. ولا شك في أن تحقيق الدول العربية والإسلامية هذا الهدف هو وحده الكفيل بعودة أمجاد الأمة الإسلامية وقيادتها للعالم، وليس من خلال رفع الشعارات البراقة فارغة المضمون التي تلعب على وتر المسائل الإيمانية والروحية للمواطنين، من دون امتلاك رؤية حقيقية لتحقيق النهضة والتقدم.

إقصاء الدين عن الحياة العامة ليس خياراً

والدعوة إلى الفصل بين الدين والدولة لا تعني بحال من الأحوال دعوة إلى إنهاء دور الدين أو تغريب المجتمعات العربية والإسلامية، أو النيل من ثقافتها وتراثها وهويتها الدينية، كما سبق أن أوضحت ذلك، فأي محاولة لإنهاء دور الدين في أي مجتمع، فضلاً عن خطورتها، لن يكتب لها النجاح، وتشكل التجربة الأوروبية نفسها خير مثال، فبرغم مرور أكثر من قرنين على هذه التجربة، فإن ما بشـر به عدد من رموز الحداثة الغربية من نهاية حتمية للدين في العصـر الحديث لم يتحقق، بل إن هناك حديثاً عن تزايد عودة النزعة الدينية في المجتمعات الغربية، ليس على المستوى الفردي للأشخاص فقط، وإنما في الشأن العام أيضاً. وقد أشار الباحث الفرنسـي فريدريك لونوار، المتخصص في علم الاجتماع الديني، إلى بعض الإحصاءات ذات الدلالة المهمة في هذا السياق؛ حيث توصل إلى أن 93% من الأمريكيين، و67% من الأوروبيين يؤمنون بالله، مشيراً إلى أن هناك نوعاً من التحول طرأ على النفسية الأوروبية في السنوات الأخيرة، لجهة العودة إلى الدين والبحث عن الروحانيات بكل السبل.

كما أن إقصاء الدين ليس بالأمر المطلوب، لأنه ينطوي على مخاطر اجتماعية وثقافية وسياسية مهمة، ولاسيما في المجتمعات التي لم تشهد تطوراً معرفياً مستقراً وطبيعياً؛ لأن الدين يلعب دوراً مهماً في ضبط السلوك الاجتماعي للأفراد ومن ثم تحقيق الاستقرار والأمن المنشود، ولهذا السبب حدثت مراجعات غربية للموقف من الدين، حيث رفضت مدرسة ما بعد الحداثة مقولة النهاية الحتمية للدين، وأكد عدد من رموزها استمرار أهمية الدين، ليس في الحياة الخاصة للأفراد فقط، وإنما في الحياة العامة أيضاً، لما يمتلكه الدين من قيم روحية يمكن أن تسهم في تحقيق الاستقرار النفسـي والمجتمعي، وهو ما عبر عنه أحد الباحثين بالقول: إن مسيرة الرأسمالية العالمية المنتصـرة لا تواجه اليوم سوى بضعة اتجاهات معارضة أصيلة، وهذا ما يبقي للدين دوراً مهماً يلعبه، بما يمتلكه من قيم روحية: فهو يحول بين أفراد المجتمعات المدنية الحديثة، وأن تطغى عليهم متطلبات الحياة المهنية والنجاح الدنيوي التي تتسم بالشمول. وبذلك يمكن للقيم الدينية (قيم المحبة والتضامن والتقوى) أن تقف في مواجهة قيم التنافس والكسب والتلاعب الشاملة والمسيطرة، فتشجع البشـر على التعامل مع بعضهم بعضاً بوصفهم غايات وليس بوصفهم مجرد وسائل.

خلاصـة

يشكل فصل الدين عن السياسة عنواناً مهماً وأساسياً من عناوين عملية التطوير والتنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مستقبل العالَمين العربي والإسلامي، كمجموعة دول متشابهة في الدين واللغة والتراث والعادات والتقاليد. وكما كان إعمال هذا الفصل في أوروبا طريقاً للقارة القديمة نحو التقدم العلمي والارتقاء الإنساني، فإنه يمكن لتحقيق هذا الهدف في العالَمين العربي والإسلامي أن يقود إلى النتائج نفسها. وبالرغم من الفقر في بعض البلدان العربية والإسلامية، فإن هناك إمكانات ضخمة تمكنت الدولة العربية والإسلامية الحديثة من تأمينها، ويمكن وضعها في خدمة مشـروع نهضوي متعدد الاتجاهات. وبينما يشهد العالَمان العربي والإسلامي حركة تغييرية في الوقت الراهن، يجب النظر إلى هدف تحقيق الفصل بين الدين والدولة على أنه مجرد طريقة لتحقيق نهضة جديدة، من دون الاعتقاد أن هذا الفصل سيعني حتماً إبعاد الله عن حياة المسلمين، فالمدنية ليست كفراً أو إلحاداً، والدولة المدنية يمكن أن تحل العديد من المشكلات الاجتماعية الناتجة مما سماه باحثون "توترات الهوية" عند المسلمين.

وإذا كان دعاة الإصلاح الديني والاجتماعي في عصـر النهضة العربية والإسلامية ما بين القرنين التاسع عشـر والعشـرين الميلاديين، قد فشلوا في تحقيق الاستنهاض الوطني الحقيقي في العالَمين العربي والإسلامي، بسبب ظروف محلية أو خارجية، أو بسبب سعي دعاة الإسلام السياسـي إلى تحقيق مصالح سياسية خاصة بهم، أو بعد ذلك بسبب الاستبداد السياسـي، فإن هناك اليوم ما يكفي من القدرات الفكرية والطاقات البشـرية القادرة على إعادة المحاولة.