الحلقة 11 من السراب | مصر في عهد مرسي: من "أخونة" الدولة لاحتكار السلطة



24 - أبوظبي


أصدر مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية الدكتور جمال سند السويدي، مؤخراً كتاب "السراب"، وتتمحور فكرته الأساسية حول "السراب السياسي" الذي يترتب على الوهم الذي تسوقه الجماعات الدينية السياسية لشعوب العالمين العربي والإسلامي.

ويكشف الكتاب، عبر فصوله السبعة، حجم التضارب القائم بين فكر الجماعات الدينية السياسية وواقع التطور الحاصل في النظم السياسية والدولية المعاصرة، خاصة فيما يتعلق بمسألة التنافر بين واقع الأوطان والدول وسيادتها القانونية والدولية من ناحية، ومفهوم الخلافة الذي تتبناه هذه الجماعات من ناحية ثانية، كما يكشف هذا الكتاب علاقة الترابط الفكرية القائمة بين جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات المتطرفة التي ولدت في مجملها من رحم هذه الجماعة، وفي مقدمتها القاعدة وداعش.

الحلقة 11


الباب الثاني: حــالات تــطــبــيــقــيـــة


الفصل الثالث: الجماعات الدينية السياسية: الإخوان المسلمون


السراب: مصر في عهد مرسي من "أخونة" الدولة لاحتكار السلطة

عقب فوز الدكتور محمد مرسـي بالرئاسة في الثلاثين من يونيو عام 2012م، ومنذ اليوم الأول لحكمه تعهد بأن يكون رئيساً لكل المصـريين، ولكنه لم يكد يمضـي عامه الأول في الحكم حتى وجد نفسه يواجه مطالب شعبية ضخمة وغير مسبوقة بتنحيته في الثلاثين من يونيو 2013م، وقد كان ذلك نتيجة لإخفاقات متعددة، منها ما يرتبط بالوضع الاقتصادي المتدهور، ومنها سياسـي يتعلق بأسلوب التعامل مع الشـركاء السياسيين والمعارضة على حد سواء.
لقد كانت التطورات المتلاحقة على مدار عام من حكم الإخوان المسلمين وما آلت إليه الأمور، وآخرها إنهاء حكم الرئيس الأسبق الدكتور محمد مرسـي في الثالث من يوليو 2013م، في الحقيقة نتيجة مباشـرة لممارسات الإخوان المسلمين وسعيهم إلى احتكار السلطة والسيطرة على مفاصل الدولة. فعلى الرغم من إعلان الدكتور محمد مرسـي أنه رئيس لكل المصـريين، ودائماً ما كان يؤكد ذلك في خطاباته المتكررة، فإنه أعطى الإسلاميين اليد العليا في العديد من مفاصل الدولة المهمة، ومنها بعض الوزارات الرئيسية، كما قام بعزل العديد من المحافظين ليحل محل نصفهم تقريباً عناصـر من الإخوان المسلمين، فضلاً عن تعيين عناصـر جهادية سابقة، مثل اختيار عادل الخياط عضو حزب البناء والتنمية، الجناح السياسـي للجماعة الإسلامية محافظاً للأقصـر إحدى أبرز المحافظات السياحية، في خطوة تخلو من الفطنة السياسية، ولا سيما أن الجماعة الإسلامية وُجهت إليها اتهامات بالتورط في ارتكاب مذبحة الأقصـر في نوفمبر 1997م، التي راح ضحيتها أكثر من 60 سائحاً وأصيب فيها 26 آخرون.





وعلى الرغم من المبررات التي سيقت من قبيل الخوف من عودة رموز النظام السابق أو طغيان نفوذ ما سمي الدولة العميقة، فإن العلاقات مع القادة السياسيين وقيادات العمل المجتمعي المدني ظهرت مشوبة، ليس بكثير من الحذر أو الشك فقط، وإنما بقدر كبير من عدم الثقة بالإخوان المسلمين وحكمهم ونياتهم أيضاً. لم تدرك الجماعة على ما يبدو، ولا الرئيس الأسبق الدكتور محمد مرسـي ومستشاروه أن المراحل الانتقالية لأي دولة أو أي مجتمع لا يمكن أن تدار بعقلية سيطرة فصيل واحد، خاصة أن هذا الفصيل لم يكن مفجراً للاحتجاجات الشعبيـة، بـل كـان مستفيداً أكثر منه صانعـاً.

لقد أدت الأخطاء الجسيمة والتردد في عملية اتخاذ القرار، وانتهاج سياسة "أخونة الدولة" إلى ظهور حالة غير مسبوقة من الرفض الشعبي للإخوان المسلمين وحكمهم، انعكس في مسيرات وتظاهرات متكررة.





وخلال العام الذي حكم فيه الإخوان المسلمون، بدأ الغطاء الأخلاقي ينكشف تدريجياً عنهم، حيث شهد المجتمع منظومة مغايرة تجافي كل ما سبق إعلانه من شعارات وتصـريحات، ولا علاقة لها بكل ما كان يدعيه الإخوان المسلمون من مبادئ وبرامج وخطط، فكانت ثورة الـ 30 من يونيو 2013م تذمراً من تدهور الخدمات، وغضباً من خديعة أخلاقية كبرى.





أما على المستوى الحكومي فلم تكن الأمور أقل حدة، فقد جاءت حكومة الدكتور هشام قنديل بعد مخاض عسير ووقت طويل، إلا أنها لم تكن بالمستوى المطلوب أيضاً، بل كانت فترتها حافلة بالإخفاقات ليس أقلها في المجال الاقتصادي، فعلى الرغم من التفاؤل والأمل، خاصة أنها حكومة يفترض أن تكون مفعمة بالحماسة والعمل، فقد تعرضت لانتقادات حادة تمثلت في عدم الثقة بقدرتها على تلبية احتياجات المرحلة ولا حتى المتطلبات الأساسية للشعب. وعلى عكس المتوقع ضمت الحكومة وزراء من عهد الرئيس مبارك وخمسة وزراء من الإخوان المسلمين ولكنها أقصت تيارات بأكملها، ليس من الليبراليين فقط أو القوى الثورية الأخرى التي دعمت جماعة الإخوان المسلمين في الوصول إلى السلطة، وإنما لحلفاء الجماعة أيضاً من حزب النور السلفي الذي أُعطي وزارة واحدة فقط هي وزارة البيئة، ما دفعه إلى الانسحاب من المشاركة في الحكومة.
ومع كل هذا كان هناك أمل لدى الشعب المصـري في التغيير، ومن دون الخوض في التفاصيل وبغض النظر عن الجهود المبذولة فإن النتيجة أن تلك الحكومة لم تنجح في تحقيق ليس التطلعات الكبيرة فقط وإنما تلبية الحاجيات الأساسية أيضاً التي ثار المواطن المصـري وضحى بالكثير من أجلها. وكانت النتيجة النهائية أن تسارعت الأحداث وعاد الشعب المصـري إلى تظاهرات احتجاجية ضخمة غير مسبوقة في 30 يونيو 2013م أدت إلى تدخل الجيش وعزل الرئيس الأسبق الدكتور مرسـي وسقوط حكم الإخوان المسلمين، بل وانحسار نفوذ القوى الإسلامية والليبرالية لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الشعب المصـري.

أما في السياسة الخارجية فلم يكن الأمر أقل حدة أو خطورة، فقد كان للسياسة الخارجية دور في عزل الرئيس الأسبق الدكتور محمد مرسـي وإطاحة حكم الإخوان المسلمين؛ حيث كانت إدارة أحد أهم ملفات الأمن القومي المصـري، ممثلاً فيما عرف إعلامياً بأزمة بناء سد النهضة، أحد الجوانب الكاشفة لسوء الإدارة والتخطيط وضعف الإدراك الاستراتيجي، وتوجت هذه الإدارة غير الناجحة بما وصفته الغالبية العظمى من المراقبين والسياسيين، بالفضيحة، حيث بثت رئاسة الجمهورية المصـرية آنذاك وقائع اجتماع رئاسـي يخص الأمن القومي مع سياسيين حول أزمة السد على الهواء مباشـرة ونقلته القنوات الفضائية.
وفي الوقت الذي اقترح فيه المتحدثون إعداد خطط عسكرية ومخابراتية لتدمير السد، طلب أحدهم من الحضور القَسم على عدم تسـريب وقائع الاجتماع لوسائل الإعلام، لكن ما لبث الحاضـرون أن اكتشفوا بث الاجتماع تلفزيونياً على الهواء مباشـرة من القصـر الرئاسـي. فضلاً عن ذلك، فقد توترت العلاقات المصـرية مع بعض الدول العربية، حيث لم يكن الخطاب الخارجي للحكم الجديد مطمئناً للدول العربية، خاصة الخليجية منها، ولاسيما فيما يتعلق بأمن الخليج العربي وأولويته في السياسة الخارجية الجديدة لجمهورية مصـر العربية، والأهم هنا فيما يتصل بالعلاقات المصـرية مع دول أو جهات تمثل تهديداً لأمن الخليج العربي واستقراره.
لقد كان هناك تخوف واضح من سياسة الإخوان المسلمين تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فدولة ولاية الفقيه تمثل أكبر تحدٍّ لأمن المنطقة واستقرارها عامة ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية خاصة، ولأن جمهورية مصـر العربية، كأكبر دولة عربية وقوة إقليمية رئيسية، هي من أهم ركائز الأمن لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فإن تحقيق أي تقارب أو تحالف غير محسوب بين جمهورية مصـر العربية والجمهورية الإسلامية الإيرانية ربما يكون انتقاصاً من الدور المصـري في ضمان الأمن والاستقرار بمنطقة الخليج العربي، ومن ثم سيمثل تهديداً لاستقرار دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، أو على الأقل بعض هذه الدول بحكم استثناء بعض الدول الأعضاء في المجلس على خلفية الترابط الذي كان يجمع بينها وبين نظام حكم الإخوان المسلمين في جمهورية مصـر العربية، لذا كان هناك نوع من القلق في منطقة الخليج العربي حيال توجهات السياسة الخارجية المصـرية في ظل نظام حكم جماعة الإخوان المسلمين، ولعل هذا يمثل أهم العوامل الإقليمية في وضع جمهورية مصـر العربية، وربما أسهم ذلك بشكل ما في إطاحة الرئيس السابق الدكتور محمد مرسـي حفاظاً على ثوابت الأمن القومي المصـري والعربي.





راشد الغنوشي

وفي الجمهورية التونسية، التي كانت مهد الأحداث الإقليمية العاصفة، تمكنت حركة النهضة التي تمثل الإخوان المسلمين من الفوز في الانتخابات التشـريعية وتشكيل الحكومة. كانت النهضة حركة محظورة في الجمهورية التونسية، خلال فترة حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، ما أدى إلى خروج معظم قيادات الإخوان المسلمين، وعلى رأسهم زعيم الحركة راشد الغنوشـي إلى أوروبا، وكان لذلك فوائد كثيرة على فكر الحركة وخططها بعد سقوط نظام ابن علي وعودة قادة الإخوان المسلمين التونسيين إلى البلاد في عام 2011م.
فقد أتيحت للغنوشـي، من خلال الإقامة في لندن بداية التسعينيات من القرن الماضـي، فرصة التعرف عن قرب إلى ماهية الدولة المدنية وطبيعتها بشكل واقعي، لذلك تأثر فكره ومن ثم كتاباته ومنهجه السياسـي بالبيئة الجديدة التي تمتع فيها بحرية كبيرة أتاحت له التواصل مع قيادات الحركة الإسلامية في بريطانيا. وربما يفسـر هذا إلى حد ما أسلوب تعامل الحركة اللاحق مع المستجدات السياسية بشكل أكثر واقعية من نظيرتها في جمهورية مصـر العربية. لقد حدث تحول كبير في فكر الغنوشـي وغيره من قيادات حركة النهضة، انعكس بشكل واضح على توجه الحركة وأسلوب تعاملها في الداخل والخارج، هذا فضلاً عن النقد الذاتي الذي عبرت عنه قيادات تاريخية تخرج من الحركة وتنضم إليها من حين إلى آخر، ولكن اجتهاداتها الفكرية أسهمت في نضوج الحركة سياسياً وخروجها من نطاق التشـرذم الأيديولوجي والعقائدي الضيق، ولا يخفى في هذا السياق دور عبدالفتاح مورو أحد أبرز مؤسسـي حركة النهضة التونسية.





إذاً، توافرت لدى حركة النهضة ظروف وقيادات استفادت من معطيات البيئة السياسية الداخلية والخارجية في الدول العربية المحيطة بالجمهورية التونسية في تطوير منهج أكثر واقعية وقدرة على التكيف مع معطيات العصـر والواقع، وهذا لا ينفي أن هناك انتقادات شديدة وكثيرة لحركة النهضة، أهمها أنها، ومن منطلق براجماتيتها، تسعى في الواقع إلى الوصول إلى الحكم ومن ثم القيام بأخونة المجتمع بعد التمكـين.

وعقب سقوط نظام الرئيس التونسـي الأسبق زين العابدين بن علي، بدت الساحة مفتوحة لمرحلة انتقالية جديدة ولكن عن طريق الانتخابات النزيهة، وبالفعل أجريت الانتخابات في أواخر عام 2011م، وفازت حركة النهضة بالمرتبة الأولى بنسبة 41% من مقاعد المجلس الوطني التأسيسـي، وحل خلفها حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الليبرالي بنسبة 13.4%، ثم العريضة الشعبية للحرية والعدالة والتنمية بنسبة 12%، وبعدها جاء التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات بنسبة 9.2% من المقاعد، وتم تقاسم السلطة، حيث شكلت حركة النهضة الحكومة التي يتمتع رئيسها بصلاحيات شبيهة بصلاحيات رؤساء الوزارات في النظم البرلمانية.





وبالفعل كان تشكيل الترويكا خياراً استراتيجياً حتى للنهضة نفسها، فلم تكن وحدها في الحكم بالرغم من هيمنتها على الحكومة والمجلس التأسيسـي، ويبدو أنها لم تُرد أن تكون وحدها المسؤولة عن أي إخفاقات سياسية. وعلى الرغم من الدعم الخارجي خاصة من الدول العربية والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، فلم تتمكن الحكومة من تحقيق طموح الشعب التونسـي، فلم يتحسن الاقتصاد بل تردى وبقيت معدلات البطالة مرتفعة، وبرزت القوى السلفية والمتشددة بشكل واضح، بل أصبح لها دور أحياناً في توجيه بوصلة حزب حركة النهضة، ومع تفاقم هذه الأوضاع وعدم تحقيق توافق سياسـي وطني بدأت الأصوات تتعالى لتغيير الحكومة ودخلت البلاد في حالة من عدم الاستقرار السياسـي انعكست على الواقع الأمني، حيث انتشـرت الجريمة وتنامى الجهاد المتشدد، وكان على حزب حركة النهضة العبء الأكبر، فهو الذي كان يملك زمام الأمور وشؤون الحكم وقتذاك، ولكنه لم يقم في البداية بتقديم تنازلات كانت تتمحور حول استقالة الحكومة برئاسة علي العريض وتشكيل أخرى تكنوقـراط، فخرجـت التظاهرات وأصبح واضحاً أن البلاد تتجه نحو المجهول، فتقدم اتحاد الشغل بمبادرة أفضت بعد شهور من جلسات الحوار إلى التوصل إلى وثيقة الحوار الوطني التي تمت فيها استقالة حكومة النهضـة.

الغنوشي: الشـريعة تفرق التونسيين والإسلام يوحدهم

وفي ملف المجلس الوطني التأسيسـي ظهرت في البداية قضية كتابة الدستور، وقد حاولت حركة النهضة تحقيق رؤيتها من خلال إدخال مادة الشـريعة الإسلامية ولكن المعارضة الكبيرة من القوى المدنية دفعتها إلى التخلي عنها، وقال الغنوشـي إثرها: "إن الشـريعة تفرق التونسيين، والإسلام يوحدهم". وفي النهاية تم إقرار الدستور، وتم تشكيل حكومة مستقلة لاقت دعماً عربياً وإسلامياً ودولياً كبيراً.

لقد كانت تجربة الجماعات الدينية السياسية في الجمهورية التونسية وبالرغم من المآخذ الكبيرة عليها والأخطاء الفادحة التي وقعت فيها مختلفة إلى حد كبير مقارنة بالتجربة المناظرة في جمهورية مصـر العربية على سبيل المثال، فبراجماتية حركة النهضة التونسية من جهة وربما أخذ العبرة مما حدث لنظيرتها في جمهورية مصـر العربية (جماعة الإخوان المسلمين) من جهة أخرى مع تزايد الضغوط الشعبية، دفعت حركة النهضة إلى التجاوب مع متطلبات الحوار الوطني والتخلي عن الحكم، أملاً في استعادة مواقعها عبر صناديق الاقتراع، ولكن جاءت الانتخابات التشـريعية التي أجريت في 26 أكتوبر 2014م مخيبة لآمال حزب حركة النهضة وجماعة الإخوان المسلمين، حيث فازت قائمة "نداء تونس" بـ 85 مقعداً من أصل 217 مقعداً، فيما جاء حزب حركة النهضة في المركز الثاني بـ 69 مقعداً، وحل في المرتبة الثالثة حزب الاتحاد الوطني الحر بـ 16 مقعداً، ما يعتبر ضـربة قاسية لطموحات الإخوان المسلمين في العودة إلى الحكم، ويعكس تراجعاً واضحاً في شعبيتهم لدى التونسيين.

السودان

وفي جمهورية السودان مارست جماعة الإخوان المسلمين السياسة والحكم منذ البداية وعملت على التغلغل في مفاصل الدولة السودانية خاصة الجيش. وقد كانت أول تجربة لها وأهمها المشاركة في حكومة الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري عام 1977م، كما ذكرت سالفاً. وقد لعب الدكتور حسن الترابي، أحد أبرز رموز الجماعة قبل أن ينشق بمنهجه الخاص، دوراً أساسياً في تبني الرئيس الأسبق جعفر نميري للشـريعة الإسلامية، فقد كان الترابي يشغل منصب المستشار القانوني الخاص للرئيس نميري، ثم تولى وزارة العدل وأشـرف بنفسه على تطبيق قوانين سبتمبر الخاصة بالشـريعة الإسلامية، وقد ساعد ذلك على انتشار الإخوان المسلمين وتمكينهم في العديد من دوائر الدولة وعلى رأسها الجيش نفسه، ومن ثم تم تمهيد الطريق لهم للوصول إلى الحكم،
فقد تمكنوا بالتعاون مع بعض قيادات الجيش السوداني من القيام بانقلاب عام 1989م، الذي أطاح حكومة الصادق عبدالرحمن المهدي المنتخبة، ومع ذلك فقد كانت الآمال المعقودة عليهم كبيرة بحجم المشكلات التي يعانيها بلد بحجم جمهورية السودان: بلد كان مهدداً وقتذاك بالانقسام إلى شمالي وجنوبي، على أسس عرقية ودينية، وبلد اقتصاده هش وضعيف، وتنتشـر فيه المجاعات بالرغم من المساحات الزراعية الواسعة التي تؤهله لأن يكون بحق سلة الغذاء العربي، وبلد يفتقر إلى البنى التحتية وتنتشـر فيه الأمية والفقر والفساد، ولكن مع ذلك تسوده الشهامة والكرامة العربية.





وبعد أكثر من عقدين من الحكم، فإن وضع جمهورية السودان أسوأ مما كان عليه بكثير، لقد انفصل جنوبه، حيث يوجد أكثر من 90% من النفط، وتفاقمت الأوضاع المعيشية للناس فيه، فما زال الفقر منتشـراً فضلاً عن الأمية، ولم تتحقق تنمية حقيقية حتى في أبسط المجالات كالبنى التحتية، حيث تغرق القرى في مياه الأمطار، والبيوت تسقط على رؤوس ساكنيها أو تجرفها السيول. أما سياسياً، فإن التضييق على الحريات قد أعاد البلاد إلى ما كانت عليه حتى قبل ثورة أكتوبر عام 1964م. وعلى صعيد العلاقات الخارجية، فالبلاد في حصار سياسـي واقتصادي كبير، وفوق ذلك كله فإن ما تبقى من جمهورية السودان القديمة ما زال مهدداً بالتقسيم.