-




حصاد الكتابة الداجنة


*جريدة الخليج


خيري منصور:

إنصافاً للناس ولما يُقال عن أسباب عزوفهم عن القراءة لا بد من إعادة النقاط المحذوفة إلى الحروف، فالأمية سبب كافٍ لانحسار القراءة بحيث لا يُباع من أكثر الكتب رواجاً في العالم العربي غير بضعة آلاف، وبأبسط المعادلات الحسابية تصبح حصة العربي أقل من صفحة لأن ثلث مليار عربي قادرون في ظروف سوية على شراء مئات الألوف من الكتب.


السبب المسكوت عنه والذي لا علاقة له بالأمية في هذا السياق هو أزمة الثقة التي تفاقمت خلال العقود الماضية بين المرسل والمرسل إليه، فأغلبية الناس يبحثون عن الانعكاسات لشجونهم المزمنة فلا يجدونها، وكأن هناك واقعاً متخيلاً أو مُترجماً يكتب المحترفون عنه!


وقد يكون للرقيب الذاتي دور هو أضعاف الدور الذي مارسه أسوأ الرقباء في التاريخ المعاصر من أمثال غوبلز وجدانوف، والرقيب الذاتي يتشكل وينمو من تربويات مشحونة بالريبة وخشية التأويل والتقويل.


وحين يقرأ الإنسان كتباً ومقالات أو تعليقات تخصه ثم يجد أنها خارج المدار الحقيقي لهواجسه ومعاناته يصبح عازفاً عن القراءة بالضرورة، ونحن بالتذكير بهذا السبب المسكوت عنه لا نبرئ الأمية من عبء الجهل، لكن الظاهرة اللافتة الآن هي عزوف المتعلمين عن القراءة بحيث أصبح هناك فاصل بين مصطلحي التعليم والثقافة، ومن يغادرون الجامعات ويتوزعون على مجالات الحياة قد تنقطع صلتهم بالكتاب إلا إذا كان من ضمن التخصص الأكاديمي الضّيقّ.


ولدينا في العالم العربي قراء يتساءلون ببراءة: أين نحن وما نعانيه في هذه الأطنان من الورق؟


وهل يمكن لعاقل أن يُصدق بأن الكتابة الداجنة والمستأصل منها دسم الواقع قادرة على تقديم إجابات لأسئلة مُزمنة؟


إن الكاتب العربي يتردد ألف مرة قبل أن يُجازف بالبوح والتصريح حول قضايا يحظر الاقتراب منها، فهو أولاً يرتهن لوضعه الشخصي وحساباته الخاصة، وثانياً أصبح يعرف بالمران والخبرة المناطق التي يتعذر الاقتراب منها بسبب الخطوط الحمر، ومن هنا نشأت ظاهرة ما يمكن تسميته التجنب، وبذل الجهد من أجل قول المسموح به، واحتمال طول الطريق حتى لو كان حول رأس الرجاء الصالح.


نتمنى أن يُعْطي من تخصصوا في بحث الظواهر الثقافية في العالم العربي واحداً في المئة فقط لهذا السبب المهمل!