الأهالي مستمرون في سرد قصص المشقة
وادي غليلة.. أرض السقب الأحمر والغزلان

الخليج / رأس الخيمة حصة سيف:
وادي غليلة يتربع بحضن الجبل، شمال إمارة رأس الخيمة، على بُعد نحو 35 كيلو متراً من مركز المدينة، تتوزع منازل الأهالي على جوانب سفوح سلسلة جبال الحجر، الممتدة إلى ما بعد منطقة غليلة، فيما يمر مجرى الوادي في منتصف الطريق إلى أن يصل للضفة الأخرى، من خلال معبر مائي تحت الجسر، ليصب في بحر الخليج العربي.
بينما تتوغل بالجبال، تتراءى لك قوة صمود المواطن الإماراتي، وتشبثه بالحياة الجبلية، فرغم التطور والتمدن الذي شهدته المنطقة، إلّا أن أهالي غليلة تأقلموا مع الأوضاع الجغرافية الصعبة، فحضرت لهم المدنية صاغرة، بشوارعها المعبدة ومنازلها ذات الطابقين، لتكون تحت سفح الجبل، رابضة تحت خدمة أهل الجبال والوديان.سعيد علي أحمد الشحي 42 عاماً، قال تضم منطقة وادي غليلة العديد من الأماكن التي سكن أغلبها الأهالي، مثل منطقة حلحل والمتان وسيدة والخب وفيدات ولغبام، أما المناطق الجبلية التابعة للوادي، فهي بروت والقب ورأس الغش وذادفلس، وتسمى أيضاً «الحلة»، وجميعها أسماء قديمة جداً ولا نعرف معناها.
وأوضح علي سالم سعيد 45 عاماً أن وادي غليلة، يعتبر أكبر واد في المنطقة تغذيه عدة أودية صغيرة، ومنابعها متعددة مثل الوادي المقبل من رعلة جيس، وهو أعلى جبل في المنطقة، ومن الوح ولخوي، تُجرى من تلك المناطق أودية صغيرة تغذي وادي غليلة، وتجتمع في منطقة «السلي»، التي خصصت للوعوب التي يزرع فيها القمح قديماً، وأيضاً منطقة الخبة الشرقية، وقاندوس، وكلها أسماء لأماكن في الجبل كان يسكن فيها الأهالي.
فواكه الجبال
أوضح علي سالم سعيد، 45 عاماً، أن المساكن القديمة الجبلية كانت تصنع من الطين والحصى، وتقتصر حياة الأهالي على الاحتطاب وإعداد الفحم لبيعه في السوق، وما يميز بيئتنا الجبلية الفواكه اللذيذة التي تنتجها الأرض الصخرية، وتسمى «السقب»، وهو تين جبلي أحمر اللون، كانت الجبال تنتجه بوفرة، خاصة بعد المطر، وكذلك الخناصير، وهي نباتات جبلية مرة الطعم، إلّا أنها مفيدة جداً، وتستخدم للعلاج في كثير من الأمراض، والأهالي يبتدئون يومهم بأكلها على الريق، اعتقاداً منهم أن فائدتها تكمن في مرارتها، ولعدم اختلاطها بالأنواع الأخرى من الأكل، وقبل أكثر من 60 عاماً، يحكي أجدادنا أنهم كانوا يأكلون الغزلان التي تتكاثر بالجبال بكثرة.
وأضاف الشحي: أما المياه فقد كانت شحيحة، ويحرص أهل الجبال، على إعداد البرك التي تبنى من الجص والحصى، ليتجمع الماء فيها، وتظل كالمورد يشربون منها هم وأغنامهم ومواشيهم طيلة العام، ويوجد طوي واحد موجود في المنطقة يسمى طوي «خرانة»، يتجمع الأهالي عنده، ليملأوا قربهم بالماء، ويعودون أدراجهم، فيما حالياً تتوفر المياه بكل سهولة في كل منزل، موضحاً أن الأهالي الذين عاشوا تلك الحقبة مازالوا يسردون قصص المشقة، للبقاء على قيد الحياة، والحفاظ على النعم التي يتمتعون بها حالياً، بكل سهولة ويسر، للأجيال المقبلة.
الماضي الجميل
سالم عبدالله علي سالم 36 عاماً، يقول جيلنا لحق بتفاصيل الزمان الماضي، من خلال المنازل الجبلية، التي مازالت معنا، مثل «الصفة»، ذلك المسكن الذي يتميز بفتحاته الكثيرة التي تدخل الهواء البارد، ورغم ارتفاع درجات الحرارة، إلّا أن الأهالي كانوا متكيفين مع الوضع من خلال تصميم تلك المساكن التي تدخل الهواء البارد، كما أن العريش وهو المسكن المصنوع من جريد النخل، وكان المسكن المناسب لتلك الحياة الجبلية، بينما يتربع «القفل»، وهو البيت الجبلي الذي يصمم بطريقة هندسية ترتكز على موقعه بشكل أساسي، إذ تكون قاعدته منخفضة عن مستوى الباب، وكأن الأرض تحتويهم بدفئها، خاصة مع انخفاض درجات الحرارة شتاءً.
وأوضح أن معالم الماضي القديم، تعتبر أسراراً، تكيف أجدادنا وآباؤنا مع بيئتهم وطبيعتها الجبلية، ولم تكن الاختراعات مثل المكيف والمدفأة قد وصلت لمنازلهم، بينما كانت هناك تصميمات هندسية توفر البيئة لهم المثالية، وتوفر الترف الذي نعيشه باستخدام تلك الأجهزة، موضحاً أن هندسة المنازل القديمة لابد أن يحافظ عليها من الاندثار، لاسيما أن بعض الشباب مازالوا يبنون المنازل من الحصى الجبلي، إلّا أنها أنشئت بهندسة مختلفة، ومبنى «القفل» بالأخص، لم يعد أحد يوليه اهتماماً، وفقدنا الكثير ممن تولوا بناء تلك المنازل الجبلية بكل احتراف.
تجهيز الوعب
عن تجهيز الوعوب لزراعة القمح، قال سالم الشحي، حين يقترب فصل الشتاء يجهز الأهالي الوعوب بتنظيفها وتنظيف مجرى المياه، وحين يستبطئون المطر، يصلون صلاة «الاستسقاء»، وكانوا على يقين بأن الله تعالى سيستجيب لهم في ذلك اليوم، ولم يطلقوا مواشيهم، تحسباً من ضياعها، كما كانوا يستعدون بتجهيز الوعوب قبل الصلاة، فتتساقط الأمطار ويسقى الزرع، وتمتلئ الوعوب، ولم تخصص لها مياه ترتوي منها غير المطر.
وبعدها حين ينبت عشب «القمح»، ويرتفع قدر شبر، يبقل من الأعشاب الضارة التي نبتت معه، إلى أن يكبر ثم يحشد عليه الجيران والأهالي لدقه واستخلاص الحبوب منه، في مكان يسمى «الينور»، وكان الناتج كميات قليلة من القمح، تكفي فقط لمؤونة المنزل وللجيران، وتخصص كميات منها للإهداء للأقارب والزوار، ولم يكن يبيعونه، وكانت في كل قرية تقريباً رحاة واحدة للطحن، يجتمع عليها النساء علي فترات متقاربة.
أمّا بقية مؤونة المنزل، فيخصص يوم بالأسبوع للذهاب للسوق، وإحضار المؤونة، كالسمك والأرز، وفي شهر يونيو/حزيران من كل عام يجهز الشواب مسيرتهم لسوق «الباطنة» في سلطنة عمان، لبيع ماشيتهم، وكانوا يذهبون على أقدامهم أو فوق الحمير، لنقل الأغنام وبيعها في سوق الباطنة، وكانت مسيرتهم لمدة 10 أيام، ويبقون هناك شهراً كاملاً، ويشترون من عمان «التمور»، التي تتميز بجودة عالية.
ساعد علي محمد 52 عاماً، أكد أن الشعبية التي يقطنونها حالياً بنيت في العام 1979، وسكنها الأهالي في بداية الثمانينات، رغم تأخر إمدادها بالمياه والكهرباء، وكان الماء يوزع بواسطة التناكر «الصهاريج»، موضحاً أن الأراضي كانت خصبة، وفيها المراعي، ومع هذا ينتقل الأهالي إلى غليلة الساحلية التي تقع على بحر الخليج العربي، وإلى منطقة شعم، التي تجاورها، حيث كانت المزارع.
أعلى وادي غليلة
علي علي سالم خميس 60 عاماً، يسكن في منطقة الخب أعلى منطقة في وادي غليلة.. يقول: كنا نحضر المياه من منطقة حلحل، في بداية الوادي، ونخرج فجراً في الساعة الرابعة، لنعود بقربنا عند أذان الظهر، وكانت حياتنا شاقة، ولم نتخيل أن تتوفر كل الإمكانات الموجودة حالياً، ونقطع المسافة في ظرف دقائق معدودة، كما أن النعمة متوفرة ولله الحمد، وليس هناك أي مشقة في توفيرها.
الدراسة في السبعينات
سعيد سالم علي من مواليد 1966، يقول: درست في بداية السبعينات في مدرسة أحمد بن ماجد لمدة 10 سنوات ووصلت إلى الإعدادية، ثم ذهبت للعمل في الجيش، ويتذكر كيف كانت تنقلهم سيارة جيب «طلاب وطالبات» من الوادي إلى المدارس، حيث كان الطلاب يتجهون إلى مدرسة «أحمد بن ماجد»، فيما تتجه الطالبات إلى مدرسة «أم القرى»، ومن ثم انتقل إلى مدرسة غليلة، ولم يكمل تعليمه إلى الثانوي، وعمل في الجيش في العام 1984