الحلقة 19 من السراب| الجماعات الدينية السياسية: أئمـة المنهـج السلفي







24 - أبوظبي



أصدر مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية الدكتور جمال سند السويدي، مؤخراً كتاب "السراب"، وتتمحور فكرته الأساسية حول "السراب السياسي" الذي يترتب على الوهم الذي تسوقه الجماعات الدينية السياسية لشعوب العالمين العربي والإسلامي.

ويكشف الكتاب، عبر فصوله السبعة، حجم التضارب القائم بين فكر الجماعات الدينية السياسية وواقع التطور الحاصل في النظم السياسية والدولية المعاصرة، خاصة فيما يتعلق بمسألة التنافر بين واقع الأوطان والدول وسيادتها القانونية والدولية من ناحية، ومفهوم الخلافة الذي تتبناه هذه الجماعات من ناحية ثانية، كما يكشف هذا الكتاب علاقة الترابط الفكرية القائمة بين جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات المتطرفة التي ولدت في مجملها من رحم هذه الجماعة، وفي مقدمتها القاعدة وداعش.


الحلقة 19

الباب الثاني: حالات تطبيقية
الفصل الرابع: الجماعات الدينية السياسية: السلفيون



أئمـة المنهـج السلفي


من أهم أئمة المنهج السلفي ورموزه: الإمام أحمد بن حنبل، والإمام أحمد بن تيمية، والإمام محمد بن عبدالوهاب. وسوف يتم التطرق إليهم بشكل مختصـر فيما يأتي:

الإمام أحمد بن حنبل (164 - 241هـ) (780 - 855م)

هو الإمام عبدالله أحمد بن أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني (أحمد بن حنبل)، ولد في بغداد، وهو مؤسس المذهب الحنبلي، وله مكانة كبيرة في المنهج السلفي، يقول عنه الإمام محمد بن عبدالوهاب: نحن ولله الحمد متبعون لا مبتدعون، على مذهب الإمام أحمد بن حنبل.

ومذهب الإمام أحمد بن حنبل من أكثر المذاهب السنية محافظة على النصوص وابتعاداً عن الرأي، ويعتبر السلفيون أن نهج الإمام أحمد بن حنبل هو نهجهم، من حيث رفض البدع واللجوء إلى النص، والعودة إلى القرآن الكريم والسنة النبوية الشـريفة، ومحاربة البدع؛ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولذلك يعدونه مرجعاً ومن أئمة السلفية.

حفظ الإمام أحمد بن حنبل القرآن الكريم منذ صغره، وعندما تجاوز الخامسة عشـرة من عمره بدأ رحلة طلب العلم الديني، وتحوّل إلى مجالس الحديث، وارتبط بهذا المسار، ثم رحل لطلب علم الحديث متنقلاً بين بلاد الشام والمغرب ومكة والمدينة والحجاز واليمن والعراق وفارس وخراسان. ومن أهم كتب الإمام أحمد بن حنبل كتاب المُسند، وهو أكبر دواوين السنة النبوية الشـريفة، ويحوي أربعين ألفاً من أحاديث النبي ﷺ، انتقاها الإمام أحمد بن حنبل من بين سبعمئة وخمسين ألف حديث.






وقد تعرض الإمام أحمد بن حنبل لاختبار صعب في مسألة خلق القرآن التي ترددت في عهد الخليفة العباسـي عبدالله بن هارون الرشيد (المعروف بالخليفة المأمون 170-218 هـ)، الذي دعا العلماء إلى القول إن القرآن مخلوق، وهو ما رفضه الإمام أحمد بن حنبل وتمسك بأن القرآن الكريم كلام الله أنزله المولى عزّ وجلّ على رسوله محمد ﷺ. وقد صمد الإمام أحمد بن حنبل ورفض القول بغير ذلك برغم تعرُّضه للتعذيب، فيما عرف تاريخياً بمحنة الإمام أحمد بن حنبل، كما ذكرت سالفاً.وترى السلفية وأتباعها أن موقف الإمام أحمد بن حنبل من رفض التسليم بمقولة خلق القرآن موقف عظيم وشجاع، بداية من الخليفة المأمون ثم المعتصم وبعده الخليفة الواثق، ممن كانوا يدعون إلى القول بخلق القرآن الكريم، وقد رفضه الإمام أحمد بن حنبل باعتباره بدعة وابتداعاً في دين الله لا نص عليه ولا دليل، لا من القرآن الكريم ولا السنة النبوية الشـريفة، حيث كان الإمام أحمد بن حنبل، كلما طلبوا منه أن يلين أو يخضع للقول بخلق القرآن الكريم يسكتهم بطلب الدليل مطالباً إياهم بإعطائه برهاناً على ذلك من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ، فيعجزون، وهذا يوضح ارتباط السلفية بالإمام أحمد بن حنبل الذي يصفه بعضهم بأنه رائد السلفية.

الإمام أحمد بـن تيميـة (661-728هـ) (1263-1328م)

هو (شيخ الإسلام) أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن تيمية، وُلِد بحرَّان (تقع في سوريا الآن)، ولما بلغ عمره نحو سبع سنوات انتقل مع والده إلى العاصمة السورية دمشق؛ هرباً من الغزاة التتار، ونشأ الإمام أحمد بن تيمية في بيت عرف عنه العلم والفقه والتدين، فأبوه وأجداده وإخوته وبعض أقاربه كانوا من علماء الفقه المعروفين وقتذاك؛ منهم جده محمد بن الخضـر، ومنهم عبدالحليم بن محمد بن تيمية، وعبدالغني بن محمد بن تيمية، وأخوه عبدالرحمن وغيرهم. بدأ الإمام أحمد بن تيمية بطلب العلم أولاً على يد أبيه وعلماء دمشق، فحفظ القرآن الكريم وهو صغير، ودرس الحديث والفقه والأصول والتفسير، وعُرف بقوة الحفظ والذكاء منذ صغره، ثم توسَّع في دراسة العلوم الدينية وتعمق فيها، واجتمعت فيه صفات المجتهد وشـروط الاجتهاد الفقهي منذ شبابه، فلم يلبث أن صار إماماً يُعترف له بالعلم والفضل والإمامة، قبل بلوغ الثلاثين من عمره. شهد له أقرانه وأساتذته وتلاميذه وخصومه بسعة الاطلاع، وغزارة العلم، والتواضع، وسـرعة الحفظ.

قال أبو عبدالله شمس الدين الذهبي عن الإمام أحمد بن تيمية: شيخنا، وشيخ الإسلام، وفريد العصـر علماً، ومعرفة وشجاعة، وذكاءً وتنويراً إلهياً، وكرماً ونصحاً للأمة، وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر. قاتل [الإمام] ابن تيمية وجاهد في رد التتار عام 712هـ [1313م]. وتُوفِّي وهو مسجون بسجن القلعة بدمشق 728هـ [1329م].





ويُذكر للإمام أحمد بن تيمية أنه قد صـرف حياته واجتهد في فحص أي ثغرة تمس نقاء العقيدة، فتصدى لكل ما صادفه من انعكاسات للفلسفة اليونانية ومؤثراتها السلبية، من وجهة نظره، في الإسلام. وساجل المذاهب الباطنية معتبراً أنها من البدع بسبب ما توليه من أهمية للتأويل، وألف كتاباً صار مرجعاً لكل السلفيين، حمل عنوان السياسة الشـرعية في إصلاح الراعي والرعية، وقد كان هذا الكتاب، وما زال، عظيم التأثير، كونه يُطبع ويتداول حتى الآن، وهو يتناول علاقة الأمير برعيته في ظل الشـريعة الإسلامية، ويشدِّد على تطبيق الحدود بشكل حرفي، لكنه يولي موضوع الجهاد أولوية استثنائية لدرجة جعله في مرتبة مساوية للصلاة، حتى ليبدو أنه يضعه فوق الأركان الشـرعية الخمسة (الشهادتين والصلاة والصـوم والزكـاة والحـج)، معتـبراً أن الديـن جذعه الصلاة وتاجه الجهـاد.

وفي كتابه المشار إليه، جعل الإمام أحمد بن تيمية مجاهدة الكفار المحاربين إحدى وظيفتي ولي الأمر، حيث الوظيفة الأولى تتمثل في تكريس طاقته لخدمة الدين بتأمين انتصار الفضيلة داخل الأمة من خلال إقامة الحدود، والأخرى خوض الجهاد المقدس خارج دار الإسلام. وهو بذلك يرى أن الإسلام يمكن أن يحقق أكبر نجاح ممكن سياسياً ودينياً، بحيث يصبح السياسـي والديني شيئاً واحداً لا يمكن تقسيمه إلى قسمين منفصلين، فالسلطة التي لا تهتم بالشأن الديني، والدين الذي لا يهتم إلا بذاته متخلياً عن القوة والعظمة، مكتفياً بالتقوى والخشوع، في الحالتين ينتهي الاثنان إلى الفشل، بحسب وجهة نظر الإمام أحمد بن تيمية، وهذا الكتاب يختلف من حيث الهدف والمحتوى والمنهج عن كتاب المُسند، الذي يضم، كما ذكرت سالفاً، أربعين ألفاً من أحاديث النبي ﷺ.ومن أهم كتب الإمام أحمد بن تيميـة: الحسبـة، والسياسـة الشـرعيـة في إصلاح الراعي والرعية، والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ودرء تناقض العقل والنقل (11 مجلداً)، والاستقامة، ومناهج السنة النبوية الشـريفة في نقض كلام الشيعة والقدرية. وقد جمعت فتاويه في 35 مجلـداً.

الإمام محمد بن عبدالوهاب (1115-1206هـ) (1703-1791م)

هو الإمام محمد بن عبدالوهاب بن سليمان التميمي النجدي، وُلد ونشأ في العيينة بوسط نجد في المملكة العربية السعودية حالياً، وتلقى العلوم الأولى على يدي والده، وكان يعمل قاضياً للعيينة آنذاك. ارتحل إلى الحجاز لأداء فريضة الحج ولمتابعة علومه وبحوثه، فدرس على يد أئمة مكة آنذاك، ثم انتقل إلى المدينة فقرأ على يد فقهائها وعلمائها، من أمثال عبدالله بن إبراهيم النجدي والشيخ محمد السندي، ثم قصد البصـرة، حيث درس النحو واللغـة والحديث والفقه، وعاد بعد ذلك إلى نجد، ومر في طريقه بالأحساء وتعلم على يد الشيخ عبدالله بن محمد بن عبداللطيف الشافعي الأحسائي. نشأ الإمام محمد بن عبدالوهاب في وقت كانت فيه عوامل الضعف قد تسللت إلى أوصال الدولة الإسلامية، وأخذت الخلافة العثمانية تفقد سيطرتها وتصدُّرها للأمور. وساعد على هذا الضعف انتشار البدع، وتغلب الخرافة، وظهور أنواع من الشـرك، فقُدست القباب والأشجار والأحجار وعبادة الأضـرحة والتوسل بالمشايخ والصالحين أحياء وأمواتاً. وتركزت دعوته على تصحيح توحيد الله، وإخلاص العبودية له، وإنكار الشـرك والبدع والخرافات والتوسل غير المشـروع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإزالة كل ما يعوق الطريق إلى التوحيد والعبادة الخالصة.





انطلق الإمام محمد بن عبدالوهاب في صياغته من اعتبار التوحيد أساس الإسلام، وهذا يعني إفراد الله بالعبادة دون سواه، فالمجتمع يجب أن يكون نموذجاً عملياً لهذا التوحيد الإلهي. وقد ألَّف الإمام محمد بن عبدالوهاب مجموعة من الكتب، منها: كتاب التوحيد، وكشف الشبهات، وتفسير سورة الفاتحة، وأصول الإيمان، ومعنى الكلمة الطيبة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكتاب الكبائر. ويرى أنصار الإمام محمد بن عبدالوهاب أنه لم يكن إلا مجدداً لما كان عليه السلف الصالح من فهم صحيح للإسلام وسلوك سليم يستقيم مع هذا الفهم، ما يفسـر، برأيهم، تأثير هذه الدعوة البالغ في وجدان الشعوب الإسلامية، ويعتبرون أن هذا التأثير قد بلغ من القوة حداً لم يبلغه تأثير دعوة أخرى منذ عهد بعيد، حيث تأثر بها دعاة الإصلاح الإسلامي في الهند ومصـر والعراق والشام وغيرها، واقتبس كثيراً من مبادئها رجال كان لهم مكانتهم في هذه البلاد، كجمال الدين الأفغاني، وجمال الدين القاسمي، وخير الدين التونسـي، وصديق حسن خان، وأمير علـي.

وعن تأثر الإمام محمد بن عبدالوهاب بالإمام أحمد بن تيمية، تقول بعض الدراسات:
تأثر [الإمام محمد] بن عبدالوهاب بجانب مهم من جوانب فكر [الإمام] ابن تيمية، وهو ذلك الجانب الذي يكافح الشـرك في العبـادات وممارسة الشعائر والطقوس.. وجاء تأثر [الإمام محمد] بن عبدالوهاب بذلك الجانب نتيجة الاستجابة لحاجات العصـر وطبيعة البيئة، حيث كانت مظاهر الشـرك في التعبد سائدة في كل أنحاء الجزيرة العربيـة. وعن المشتركات الفكرية بين كل من الإمام أحمد بن حنبل، والإمام أحمد بن تيمية، والإمام محمد بن عبدالوهاب تشير بعض الآراء إلى أن هناك تدرجاً في الحدة بين الحلقات الثلاث التي تشكل خلالها الفكر السلفي، فهي حلقات انتقلت من التساهل النسبي مع الإمام أحمد بن حنبل إلى الانتقاد النظري الجذري من جانب الإمام أحمد بن تيمية، وصولاً إلى استخدام العنف وهدم الأضـرحة ومكافحة التصوّف والتوسل، وتنقية العقيدة كما رأى الإمام محمد بن عبدالوهاب، بحيث لم يتبقَّ في المملكة العربية السعودية، التي تبنَّت تحت قيادة عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود (1902-1953م) في الدولة الثالثة للأسـرة السعودية، العقيدة السلفية وفكر الإمام محمد بن عبدالوهاب، أي قبر من قبور الصحابة والأولياء باستثناء قبر الرسول ﷺ.


ويرى باحثون أن السلفية الوهابية تفتح الباب واسعاً أمام ضوابط شديدة الصـرامة، ويعتبرون أن تركيزها على الجانب المعتقدي التوحيدي، قد قسم العالم بشكل ثنائي متضاد إلى: عالم كافر مشـرك، وعالم مسلم صحيح الإيمان يمثله أهل التوحيد. وقد قادت هذه الرؤية إلى توسيع دائرة مفهوم "الولاء والبراء"، وهو ما استندت إليه لاحقاً التيارات التكفيرية والجهادية المتشددة في أدبياتها، ومن ذلك ما عرف بـ"نواقض الإسلام" وهي القواعد العشـر الآتية:

1. الشـرك في عبادة الله مثل طلب الدعاء من الأموات والاستغاثة بهم والذبح لهم.


2. من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم فقد كفر إجماعاً.

3. من لم يكفّر المشـركين أو شك في كفرهم أو صحَّح مذهبهم.

4. من اعتقد أن هدي غير النبي ﷺ أكمل من هديه أو أن حكم غيره أحسن من حكمه.

5. من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول ﷺ.

6. من استهزأ بشـيء من دين الرسول ﷺ.

7. السحر، ومنه الصـرف والعطف، من فعله ومن قبله ورضـي به.

8. مظاهرة المشـركين أو مناصـرتهم ومعاونتهم على المسلمين.

9. من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج على شـريعة محمد ﷺ.

10. الإعراض عن دين الله لا يتعلَّمه ولا يعمل به.

الجانب الآخر نجد أن هناك من علماء السلفية من ينكر مصطلح الوهابية، وكأنها مذهب إسلامي جديد، كما يرفض ربط السلفية بشخص أي أحد، سواء كان الإمام محمد بن عبدالوهاب أو الإمام أحمد بن تيمية، وذلك انطلاقاً من أن السلفية تعني العودة بالإسلام إلى أصوله ومنابعه النقية دون شبهات أو بدع ربما تكون قد دخلت عليه بمرور الأيام وتوالي السنين. ويرى محمد ناصـر الدين الألباني في تعليقه على مصطلح الوهابية، أن هذه فكرة خاطئة، ويعتبرها باطلة، ويرى أن الدعوة السلفية هي دعوة الإسلام الصحيح نفسه، وهي دعوة القرآن الكريم والسنة النبوية الشـريفة التي جاء بها الرسول ﷺ، وكانت خاتمة الدعوات، وآخر الشـرائع، مؤكداً أن المسلمين الأوائل كانوا على الإسلام الصحيح، فلم تكن هناك حاجة أو داعٍ للقول: الإسلام السلفي، أو الدعوة السلفية، ولذا فإن وجهة النظر هذه ترى أن التمسك بصحيح الإسلام لا يعني بالتبعية ترويج مصطلحات مثل الإسلام الوهابي أو غير ذلك.

ويقرِّب الألباني المثال عن السلفية بقوله:
كان الناس يتكلمون العربية الفصحى دون لحن ودون خطأ؛ فلم يكن هناك حاجة لوضع قواعد النحو، وإلى اصطلاحات النحو واللغة والبلاغة، لأنها كانت معروفة سليقة، وكذلك الدعوة السلفية كان الناس عليها.. ولكنها بدأت تظهر شيئاً فشيئاً عندما بدأت الأفكار الأخرى تظهر، وعندما بدأت هذه الثقافات الأجنبية تؤثر في المسلمين، فتحرف بعضها، وتزين لبعضهم أشياء تخالف الإسلام في العقائد وغيرهـا.