الحلقة 20 من السراب| السلفية.. انتقادات لاذعة ودخول للعمل السياسي





24 - أبوظبي

أصدر مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية الدكتور جمال سند السويدي، مؤخراً كتاب "السراب"، وتتمحور فكرته الأساسية حول "السراب السياسي" الذي يترتب على الوهم الذي تسوقه الجماعات الدينية السياسية لشعوب العالمين العربي والإسلامي.ويكشف الكتاب، عبر فصوله السبعة، حجم التضارب القائم بين فكر الجماعات الدينية السياسية وواقع التطور الحاصل في النظم السياسية والدولية المعاصرة، خاصة فيما يتعلق بمسألة التنافر بين واقع الأوطان والدول وسيادتها القانونية والدولية من ناحية، ومفهوم الخلافة الذي تتبناه هذه الجماعات من ناحية ثانية، كما يكشف هذا الكتاب علاقة الترابط الفكرية القائمة بين جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات المتطرفة التي ولدت في مجملها من رحم هذه الجماعة، وفي مقدمتها القاعدة وداعش.


الحلقة 20

الباب الثاني: حالات تطبيقية


الفصل الرابع: الجماعات الدينية السياسية: السلفيون


انتقادات لاذعة ودخول للعمل السياسي


هناك من يخلط بين السلفية الدعوية والتيارات الجهادية، ويرى في الثانية تطوراً طبيعياً للأولى، بمعنى أن كل جماعة سلفية هي مشـروع جهادي محتمل

وبشكل عام هناك من الباحثين من يبدي ملاحظات على السلفية:
• التيارات السلفية تتفق من حيث ظروف نشأتها، ومن حيث التناقض بين انتشارها الواسع جغرافياً، وضعف تماسكها التنظيمي، فأتباع التيار السلفي قليلو العدد نسبياً مقارنة بالجماعات الدينية السياسية الأخرى.

• يرجع الخلط بين السلفية الدعوية والتيارات الجهادية، إلى افتراض مسبق بأن التيار الجهادي هو مرحلة متطورة للتيارات السلفية، وبالتالي تصبح كل جماعة سلفية مشـروعاً جهادياً محتملاً إذا توافرت الظروف الملائمة لـها.

• لم تكن السلفية في بداياتها الأولى سلفية ساكنة أو مجرد حركة علمية تتركز في دور العبادة، وينحصـر نشاطها في إلقاء الدروس والخطب، بل كانت حركات تغيير وإصلاح تهدف إلى الرجوع إلى أصول تعليم الديـن الإسلامـي الحنيـف، وتنقيـة المجتمـع مـن البدع والشبهـات - المخالفة للدين - التي لحقت به.

• في قضية الانتماء، ظلت التيارات السلفية فترة من الزمن تتميز بسهولة الانتماء إليها، فالمطلوب هو الالتزام فقط بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشـريفة وتعظيم الأوامر والنواهي، وبخلاف بعض الأوامر الشـرعية، فأغلب التزام المرء يكون بينه وبين ربه.. هكذا يصبح المرء سلفياً.





الانتقادات الموجهة إلى السلفية:

الانتقادات للسلفية عموماً كفكر عديدة وكثيرة، ومنها تلك الانتقادات التي تصف السلفية بالتصلب الفكري لأسباب عدة وفقاً لهذا الـرأي:

1. أن السلفية وضعت مبدأ التوحيد كخلفية تقاس عليها شـرعية كل التصـرفات والمواقف والأفعال والمقولات، حتى إن لم تكن دينية بالضـرورة؛ بمعنى أن كل نوع من التفكير والفعل لا ينطلق من التوحيد هو نوع من عبادة الذات. ويرى هذا الرأي أن السلفية بذلك تضع المسلم أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما أن يكون سلفياً وإما ألا يكون مسلماً على الإطلاق.

2. أن السلفية تبدو شديدة الصـرامة في مواجهة التراث الفقهي المعاصـر، الذي لا يسير وفق التقاليد الفقهية السالفة (انطلاقاً من الرؤية الصارمة جداً والملتزمة بحرفية القرآن وفق المذهب الحنبلي)، وهي ترفض الفقه الذي ينادي بمراعاة الظروف المستجدة، أو ما يعرف بفقه الواقع.

ثالثاً: دخول السلفيين إلى العمل السياسـي
مع نهاية عام 2010م، وبدايات عام 2011م شهدت الساحة العربية، بداية الاحتجاجات الشعبية في دول عدة، وتنامت هذه الاحتجاجات وتطورت وانتشـرت في العديد من الدول العربية، كما ذكرت سالفاً، ولا تزال تداعياتها مستمرة إلى اليوم بحكم أنها أفرزت عواقب عميقة التأثير في تماسك بعض الدول التي وقعت فيها ونالت من أمنها واستقرارها وسيادتها، وقد شهدت تلك الاحتجاجات ظاهرة مهمة، وهي بروز دور الجماعات الدينية السياسية، وهي التنظيمات والتيارات التي ترى ضـرورة ربط الدين بالدولة، وأنه لا يجوز الفصل بين السياسة والدين.





وإذا كان بروز دور بعض الجماعات الدينية السياسية مثل جماعة الإخوان المسلمين متوقعاً؛ على خلفية وجودها منذ عشـرينيات القرن الماضـي، ومحاولاتها المستمرة الدخول إلى العمل السياسـي، أملاً في الوصول إلى السلطة، وتمكنهم بالفعل من دخول البرلمانات في بعض الدول العربية مثل جمهورية مصـر العربية والمملكة الأردنية الهاشمية والمملكة المغربية والجمهورية التونسية وغيرها، ما يُعدُّ ممارسة لدور سياسـي، وينبئ عن رغبة واستعداد لمواصلة الانخراط في هذا التوجه مستقبلاً، فإن بروز دور السلفيين السياسـي منذ عام 2011م في دول عربية عدة، ودخولهم مجال العمل السياسـي، كان مفاجأة لكثير من المراقبين والمتخصصين، خاصة أنهم باتوا اليوم فاعلين على الساحة السياسية في هذه الدول.

العمل السياسـي للسلفية منذ عام 2011م
تمثل التحولات السياسية التي شهدتها، ولا تزال، دول عربية عدة منذ عام 2011م، نقطة تحول تاريخية في المسار العام للتيارات السلفية، إذ قررت جماعات وتوجهات سلفية الانخراط في العمل السياسـي والحزبي، والمشاركة في النقاشات الفكرية والسياسية، وقد تجلى ذلك وتكرر في حالات عدة ابتداء من المشهد المصـري، وصولاً إلى المشهد التونسـي، علماً بأن التيار السلفي قد برز على الساحة السياسية المصـرية ممثلاً في حزب النور في عام 2011م، في حين لم يلعب هذا التيار دوراً سياسياً مناظراً في الجمهورية التونسية.





قبل ذلك كان التيار السلفي بصورة عامة، مع استثناءات قليلة في العالَمين العربي والإسلامي، بعيداً عن المشاركة السياسية والعمل الحزبي لأسباب واعتبارات تتعلق بموقفه الأيديولوجي، مركزاً جهوده على العمل التعليمي والتربوي من خلال إنشاء مدارس تديرها جمعيات خيرية، فضلاً عن العمل الدعوي مع رفض الدخول إلى اللعبة السياسية بذرائع وأسباب متعددة ومختلفة. والمرحلة الجديدة لم تكن بلا تكاليف، ففي مقابل المكاسب السياسية والظهور العلني والبروز الإعلامي، والنفوذ الجديد في المجال العام، بصورة خاصة في الدول التي شهدت اضطرابات داخلية، فإنّ هذه الأحداث وضعت السلفيين تحت الأضواء، وتصاعد حجم الخصومة السياسية إزاءهم في العالم العربي، والتخويف من مشـروعاتهم الاجتماعية والثقافية وأهدافهم السياسية.

ومن جهة ثانية، أفرزت التحولات السياسية في هذه الدول مناظرات وخلافات داخلية كبيرة لدى أغلب الاتجاهات السلفية، حول مشـروعية التغيّرات الحاصلة داخل التيار السلفي، فقبول الديمقراطية والمشاركة السياسية وشـروطها واستحقاقاتها والاختلافات الجوهرية بين طبيعة العملين الحزبي والدعوي، كل ذلك لم يكن موضع اتفاق وتوافق كامل في الأوساط السلفية العربية عموماً، إذ بقيـت هنالك تيارات ترفض هذا التحوّل وتصـر إما على رفض العمل السياسـي جملة وتفصيلاً، وإما على المشاركة السياسية رغم عدم استعدادها لذلك.

جاء دخول السلفيين إلى المشهد السياسـي وتشكيل الأحزاب السياسية عبر البوابة المصـرية، ثم بدأ يلقي بظلاله على السلفيين في أنحاء متفرقة من البلدان العربية والإسلامية الأخرى. وقد اضطر السلفيون مع تلك المرحلة الجديدة من أنشطتهم إلى قبول قواعد اللعبة السياسية؛ ما يعني بالتبعية القيام بمراجعات أيديولوجية وفكرية لمواكبة الواقع الجديد الذي يعملون فيه وتحديد أهدافهم، وأولوياتهم ومواقفهم إزاء العمل السياسـي الذي باتوا جزءاً منه.

لقد أصبح السلفيون لاعباً سياسياً جديداً تقاسم مع الإخوان المسلمين الأصوات المحافظة دينياً في المجتمعات، فضلاً عن أصوات الباحثين عن التغيير ومن وضعوا ثقتهم في الجماعات الدينية السياسية سعياً وراء بديل سياسـي يخلصهم من أزماتهم المعيشية والتنموية، ناهيك عن أصوات المناوئين لأنظمة حكم سابقة ومن تخوفوا من عودة هذه الأنظمة ورموزها. وفي جمهورية مصـر العربية على سبيل المثال، دخل التيار السلفي في مواجهات ومنافسات مع القوى السياسية الأخرى، لكن على الرغم من التحالف مع جماعة الإخوان المسلمين ثم منافسته لها في الانتخابات التشـريعية نهاية عام 2011م، فإن التيار السلفي يقدم خطاباً مغايراً في سماته العامة عن خطاب الإخوان المسلمين، فهناك من يرى أن السلفيين يبدون في موقف أكثر التزاماً بتطبيق الشـريعة الإسلامية، وأشد خصومة مع التيارات المدنية الأخرى، وأعتقد أن مثل هذه الفروقات تكتيكية الطابع ولا تعبر عن خلافات استراتيجية في الرؤى والتصورات، وهي ناتجة في الأساس من خبرة جماعة الإخوان المسلمين تاريخياً في المراوغة والمناورة والتخفي وراء الشعارات والتزام مبدأ التقية السياسية سعياً وراء بلوغ مرحلة التمكين لإظهار نياتها الحقيقية، في حين أن ضعف أو بالأحرى تلاشـي الخبرة السياسية للسلفيين يفسـر كثيراً من مواقفهم الصدامية مع التيارات المدنية، بدليل حدوث تحولات في مثل هذه المواقف وبوتيرة أسـرع كثيراً عن أي توقعات.





وقد شكل نجاح السلفيين اللافت للنظر في الانتخابات المصـرية مفاجأة حتى لمتابعي الجماعات الدينية السياسية ودارسـيها، في حين رأى آخرون أنه لم تكن هناك مفاجأة في فوز التيارات الإسلامية بشكل عام بالانتخابات البرلمانية المصـرية بأغلبية كبيرة من الأصوات، واعتبر هؤلاء أن المتأمل للمجتمع المصـري يدرك مسبقاً أن الأحزاب ذات المرجعيات الإسلامية سوف تسود. لكن ما لم يتوقعه كثيرون أن 40% تقريباً من الذين صوتوا لممثلي الجماعات الدينية السياسية لم يختاروا جماعة الإخوان المسلمين، وهي أكبر وأقدم حركة معارضة في البلاد، لكنهم أيدوا تحالفاً من ثلاثة أحزاب سلفية حديثة العهد بالسياسة، لم يكن قادتها معروفين لمعظم المصـريين قبل عام 2011م. وبالإضافة إلى ذلك، كان السلفيون، باستثناء قلة منهم، معارضين للاحتجاجات الشعبية في بداية اندلاعها، ولم يعلنوا تأييدهم لهذا الحراك إلا قبل أيام من تنحي الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك. ومع ذلك، حصد التحالف السلفي 28% من الأصوات في انتخابات مجلس الشعب عام 2011م، بما يمثل 127 مقعداً من أصل 508 مقاعد. وقد تأكد تأثير السلفيين لاحقاً في انتخابات مجلس الشورى، حيث حصلوا على 45 مقعداً من أصل 180 مقعداً.

ويرى أحد الباحثين المتابعين للسلفية، أن أحداث عام 2011م فتحت الباب أمام السلفيين للدخول إلى اللعبة السياسية في جمهورية مصـر العربية، ووضعت السلفيين أمام لحظة تاريخية فارقة، فإما الإصـرار على مواقفهم السابقة بعدم الدخول في السياسة ورفض قبول الديمقراطية وفقاً لقواعد غربية، وهو ما سيضعهم على هامش الأحداث في المنطقة، وإما مراجعة مواقفهم السابقة والانتقال إلى صيغة جديدة من قبول الديمقراطية وتكييف ذلك مع آرائهم السابقة، وهو ما اختاره التيار العريض من السلفية في جمهورية مصـر العربية، وتحديداً في الإسكندرية والقاهـرة.