الحلقة 21 من السراب| السلفيون والإخوان في مواجهة القوى المدنية






24 - أبوظبي

أصدر مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية الدكتور جمال سند السويدي، مؤخراً كتاب "السراب"، وتتمحور فكرته الأساسية حول "السراب السياسي" الذي يترتب على الوهم الذي تسوقه الجماعات الدينية السياسية لشعوب العالمين العربي والإسلامي.

ويكشف الكتاب، عبر فصوله السبعة، حجم التضارب القائم بين فكر الجماعات الدينية السياسية وواقع التطور الحاصل في النظم السياسية والدولية المعاصرة، خاصة فيما يتعلق بمسألة التنافر بين واقع الأوطان والدول وسيادتها القانونية والدولية من ناحية، ومفهوم الخلافة الذي تتبناه هذه الجماعات من ناحية ثانية، كما يكشف هذا الكتاب علاقة الترابط الفكرية القائمة بين جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات المتطرفة التي ولدت في مجملها من رحم هذه الجماعة، وفي مقدمتها القاعدة وداعش.

الحلقة 21

الباب الثاني: حالات تطبيقية



الفصل الرابع: الجماعات الدينية السياسية: السلفيون

جاء دخول السلفيين إلى المشهد السياسـي المصـري بُعيْد تنحي الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك مباشـرة، حيث حشد السلفيون التأييد لمسودة الدستور في استفتاء مارس 2011م، واصطفوا إلى جانب جماعة الإخوان المسلمين، في مواجهة قوى مدنية وليبرالية مختلفة. وجاءت نتيجة الاستفتاء بدعم شعبي كبير لتعطي جرعة كبيرة من الثقة للسلفيين وتشجعهم على التوغل في الساحة السياسية، فأسسوا أحزاباً متعددة هي: النور، والأصالة، والبناء والتنمية، وغيرها.

وبهدف تبرير التحول في الخطاب السلفي جاء التركيز على هوية الدولة، بينما كان الصـراع على الدستور بمنزلة الستار الذي تخفى وراءه السلفيون، لتبرير الانتقال من رفض المشاركة ورفض العمل الحزبي إلى الانخراط في العملية السياسية بدعوى حماية الهوية الإسلامية من جهة، ومحاولة استثمار الديمقراطية للوصول إلى حلم تطبيق الشـريعة الإسلامية، من جهة أخـرى.

أحداث 2011

وهنا يمكن القول إن التغيير الذي حدث للسلفيين بعد أحداث 25 يناير 2011م في جمهورية مصـر العربية، هو في مبدأ المشاركة السياسية وقبول العمل الحزبي السياسـي، إذ كان جزء كبير من نشاطهم السابق يقوم على التعليم والدعوة الدينية والتربوية، وعدم الانصياع لإغراءات المشاركة في العملية السياسية والمكاسب من وراء العمل الحزبي وربطه بالدين، وهو ما كانوا يعتبرونه هدراً للوقت والجهد في غير طائل، ولكن تغير موقفهم وركزوا جهدهم في المشاركة السياسية الفاعلة. وتنبع أهمية هذا التغير في موقف السلفيين من كونه استتبع مباشـرة إعادة تأصيل موقفهم من الأحزاب السياسية والعمل الحزبي عموماً. أما على الصعيد الإقليمي، وبرغم أن السلفيين لا يمتلكون تنظيمات إقليمية أو عالمية مثل تلك التي تمتلكها جماعة الإخوان المسلمين، فإنهم يمتلكون خطوط تماس واتصال وتأثير عديدة بين شيوخهم والجماعات المتشابهة معهم في خطابها السياسـي والفكري.





بعد تنحي الرئيس المصـري الأسبق محمد حسني مبارك، في 11 فبراير 2011م، وقبل أن يبدأ السباق الرئاسـي لاختيار رئيس جديد، بذل شيوخ الدعوة السلفية جهوداً كبيرة لإقناع جماعة الإخوان المسلمين بترشيح المهندس خيرت الشاطر نائب المرشد العام للجماعة، متعهدين بدعمه بكل ما أتيح لهم، وهو ما وافق عليه الإخوان المسلمون بالفعل، وأعلنوا ترشيح الشاطر رئيساً للجمهورية، لكنه استبعد من قوائم المرشحين لإدانته في جناية عسكرية ولم يرد إليه اعتباره فيها على النحو الذي رسمه القانون المصـري.

وبعد خروج خيرت الشاطر من السباق الرئاسـي، ومع تعدُّد المرشحين المنتمين لجماعات دينية سياسية، أعلنت "الدعوة السلفية" دعمها للمرشح عبدالمنعم أبو الفتوح لرئاسة الجمهورية، وبناءً على موقف الدعوة السلفية في هذا الشأن، فقد رفضت دعم مرشح الإخوان المسلمين وقتذاك الدكتور محمد مرسـي، وكان من الأسباب التي بررت بها هذا الإعلان، أنها لا ترغب في أن يستحوذ حزب واحد على مقاليد الأمور في البلاد، وهو ما أغضب الإخوان المسلمين كثيراً، خاصة أنهم أعلنوا دعم مرشحهم الاحتياطي الذي لاقى حملة إعلامية شـرسة من قبل أن يبدأ حملته الانتخابية باعتبار أن الجماعة كانت قد وضعته بديلاً للشاطر.





دعم مرسي

أصـر الإخوان المسلمون على الوصول حتى نهاية الطريق في دعم مرشحهم، فنظموا حملة انتخابية طافت محافظات الجمهورية، وبذلوا خلالها جهوداً مضنية، حتى جاء الدكتور محمد مرسـي على رأس الفائزين في الجولة الأولى بحصوله على أعلى الأصوات، ومن ثم فقد خاض جولة الإعادة أمام الفريق أحمد شفيق.

بعد خروج الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح، دعم السلفيون المرشح الإسلامي الوحيد في السباق الرئاسـي، وهو مرشح جماعة الإخوان المسلمين الدكتور محمد مرسـي، وبدعمه عادت المياه إلى مجاريها من جديد بين الجماعتين، وبذل السلفيون جهوداً كبيرة في دعم الدكتور مرسـي، معتبرين أن المعركة ليست معركة الإخوان المسلمين وحدهم، بل معركة كل الإسلاميين والداعمين للتغيير أمام الفريق أحمد شفيق، الذي اعتبروه مرشح النظام السابق. وبعد فوز الدكتور محمد مرسـي - في أعقاب معركة انتخابية شـرسة أمام شفيق - انتظر السلفيون قطف الثمار المتمثلة في مشاركة سياسية حقيقية مع جماعة الإخوان المسلمين في اتخاذ القرار، بعد ما بذله السلفيون من جهود في دعم مرشح الجماعة، وكانت أنظار السلفيين معلقة صوب تشكيل الفريق الرئاسـي والحكومة، لكن الأمور لم تمض كما كانوا يطمحون، فلم يستشـرهم الدكتور مرسـي عند تشكيله الفريق الرئاسـي، كما لم تمنحهم الحكومة الأولى في عهده برئاسة هشام قنديل سوى حقيبة وزارية واحدة هي حقيبة البيئة التي رفضها حزب "النور".

رد الفعل السلفي على الإخوان المسلمين جاء سـريعاً، فدان حزب "النور" تجاهله من قبل مؤسسة الرئاسة المصـرية وقتذاك، وفي اختيار أعضاء الحكومة التي كان يتوقعها الحزب حكومة ائتلاف وطني تشكل بحسب الأوزان النسبية للأحزاب السياسية في البرلمان.





وفي بيان رسمي له، قال حزب النور إن قياداته فوجئت بعد خطاب تنصيب الرئيس بالانقطاع الكامل عن عملية التفاهم والتواصل، سواء مع مؤسسة الرئاسة، أو مع حزب "الحرية والعدالة"، ورأى حزب النور أن ذلك سيؤثر سلبياً في مجريات الأمور، في وقت "يتطلع فيه إلى العمل بروح جديدة تتناسب مع تطلعات الشعب وآماله". ولم يبد الإخوان المسلمون رد فعل على غضب حزب النور، بحيث فهم ضمناً أن تصـرفهم تجاهه كان مقصوداً ويعكس رغبة في الانفراد بالسلطة.

تسخير الاضطرابات

ويمكن القول إن الحركة السلفية في جمهورية مصـر العربية، قد أجادت استخدام الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحيطة في فترة الاضطرابات الداخلية منذ عام 2011م، وحققت نتائج جيدة جداً قياساً إلى خبرتها الضعيفة في العمل السياسـي (مثل الحشد، وتنظيم الانتخابات، والبرنامج الانتخابي، والحملات الدعائية.. إلخ)، مقارنة بالخبرة الكبيرة والواسعة لجماعة الإخوان المسلمين في العمل السياسـي. ومع ذلك استطاع التيار السلفي أن يحصد نحو ثلث مقاعد البرلمان المصـري، وربع مقاعد مجلس الشـورى.

وهناك قواسم عدة تربط التيار السلفي في مختلف الدول العربية والإسلامية، فعلى سبيل المثال نجد أنه في حالة الجمهورية اليمنية يبدو المشهد السلفي مشابهاً لنظيره في جمهورية مصـر العربية بعد عام 2011م. فالسلفيون يتشعبون بين اتجاهات وجماعات متعددة، خاصة في السنوات الأخيرة. وخلال فترة الاحتجاجات الشعبية انقسم السلفيون بين محذر من معصية ولي الأمر وفتنة التظاهر، وممن انخرط في الاحتجاجات ولا سيما الشباب منهم ومعهم شيوخهم ممن منحوهم الفتوى الشـرعية للاعتصامات والعمل على إطاحة الرئيس اليمني علي عبدالله صالح. وإبان الاحتجاجات بدأ السلفيون يتأثرون بالتجربة المصـرية، فظهرت فكرة تأسيس أحزاب سلفية مشابهة لفكرة الأحزاب السلفية في جمهورية مصـر العربية، إلا أن الانقسام أصاب مرة أخرى التيارات السلفية هنـاك.

صعود حزب النور

وقد كتب محمد بن موسـى العامري، رئيس حزب اتحاد الرشاد اليمني (حزب سلفي تأسس عام 2012م في الجمهورية اليمنية) ومقره صنعاء، موضحاً إيجابيات صعود حزب النور المصـري إلى الواجهة السياسية وسلبياته، مشيراً إلى وجود اتجاهين: الاتجاه الأول، ويضم الأغلبية من الإسلاميين الذين يرون في صعود حزب "النور" في المشهد السياسـي فرصة ذهبية لا يجوز أن يفرِّط فيها السلفيون؛ لأن ذلك سوف يمنحهم مكاسب عدة تتمثل في: العمل على الحد من الفساد السائد، ونشـر الإصلاح ما أمكن، وهو منهج شـرعي في مسلك السياسة الشـرعية؛ خصوصاً إذا كان هناك تنسيق مع حزب الحرية والعدالة (التابع للإخوان المسلمين) وبقية القوى الإسلامية، ومواجهة التيارات الليبرالية والمدنية والتصدي لمخططاتها في جمهورية مصـر العربية، والعمل الشعبي والتعرف إلى مشكلات المواطنين؛ طمعاً في وصول الدعوة إليهم. ويضاف إلى ما سبق التدريب العملي على ممارسة العمل السياسـي وتوظيف الطاقات بشكل مناسب، وفتح آفاق جديدة للعمل الإسلامي من خلال هذه المشاركة الشعبية.





أما الاتجاه الثاني، فيرى أن صعود حزب النور السلفي في جمهورية مصـر العربية إلى العمل السياسـي لا يخلو من المخاطر التي تزيد على منافع السير في هذا الاتجاه، ومنها: أن دخول العملية السياسية لا يكاد يخلو من المحاذير الشـرعية التي لا يسلم منها أحد سلك هذا السبيل. فقد يؤدي العمل السياسـي إلى صـرف الناس عن مجال التعليم والدعوة والتربية، وانشغالهم بذلك مع ما يترتب عليه من صـراعات وتحالفات، علاوة على أن حزب النور لا يزال محدود الخبرة في ميدان العمل السياسـي؛ وبالتالي يصعب عليه التعاطي مع تعقيدات السياسة الدولية والإقليمية، فضلاً عن التعامل مع أنصار الفكر المدني والمسيحيين وغيرهم. وأخيراً، فإن جمهورية مصـر العربية في مرحلة ما بعد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك مثقلة بإرث الفساد والفقر والبطالة وضعف التنمية، والشعب المصـري لم يعد قادراً على تحمل المزيد من المعاناة، ويحتاج إلى التغيير التنموي المنشود بشكل سـريع، وهو ما يصعب على الجماعات الدينية السياسية تحقيقه خلال المدى المنظور في ظل إمكاناتها الراهنة.

التجربة التونسية

وفي الحالة التونسية، اتسم موقف التيار السلفي تجاه العمل السياسـي بالتباين كما حدث في دول عربية أخرى، وعقب سقوط نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في 14 يناير عام 2011م، تبنى فريق من السلفيين التونسيين نهج المشاركة السياسية مع إعلان تمسكهم بالشعارات الدينية ذاتها التي ترددت أصداؤها في عواصم عربية أخرى، مثل التمسك بتضمين الشـريعة الإسلامية في الدستور، والمطالبة بأسلمة قطاعات العمل والإنتاج والتعليم وغير ذلك من مطالبات سلفية معروفة، وقد تبنت هذا الموقف أحزاب سلفية عدة، منها: جبهة الإصلاح، والرحمة، والأصالة، وهي أحزاب مضت سياسياً على درب نظيرتها المصـرية واليمنية، وتخلت عن رفضها الديمقراطية كفكر والانتخابات كمنهج. وتنطلق مجمل الأحزاب السلفية التونسية من المرجعيات الفكرية ذاتها التي تبنتها الحركة السلفية المصـرية والكويتية وغيرها.





وبالإضافة إلى ما سبق، فقد ظهرت السلفية الجهادية ضمن القوى المؤثرة في المشهد الأمني والسياسـي التونسـي، وتبنت الموقف ذاته للسلفية الجهادية في دول عربية وإسلامية أخرى، من حيث رفض العمل السياسـي ورفض الاحتكام لآليات الديمقراطية، وتجمعت في شهر مايو 2011م مختلف فصائل السلفية الجهادية التونسية تحت مظلة "أنصار الشـريعة" بقيادة أبي عياض التونسـي (سيف الله بن حسين) الذي تتلمذ على يد عناصـر تنظيم القاعدة ومنهم أبو قتادة الفلسطيني وأبو مصعب السوري، كما سبق له أن التقى أسامة بن لادن في قندهار خلال شهر سبتمبر عام 2000م، ويبدو أن مسمى "أنصار الشـريعة" هو ذاته الذي تعمل تحت رايته عناصـر تنتمي إلى الفكر ذاته في دولة ليبيا والجمهورية اليمنية وغيرهما. وفي أغسطس 2013م صنفت جماعة "أنصار الشـريعة" رسمياً في الجمهورية التونسية تنظيماً إرهابياً، ووجهت إليها اتهامات باغتيال معارضين سياسيين وقتل عدد من قوات الأمن والجيش التونسـي والسعي إلى تأسيس إمارة إسلامية.