الحلقة 22 من السراب| مستقبل السلفية في العالم العربي



24 - أبوظبي


أصدر مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية الدكتور جمال سند السويدي، مؤخراً كتاب "السراب"، وتتمحور فكرته الأساسية حول "السراب السياسي" الذي يترتب على الوهم الذي تسوقه الجماعات الدينية السياسية لشعوب العالمين العربي والإسلامي.
ويكشف الكتاب، عبر فصوله السبعة، حجم التضارب القائم بين فكر الجماعات الدينية السياسية وواقع التطور الحاصل في النظم السياسية والدولية المعاصرة، خاصة فيما يتعلق بمسألة التنافر بين واقع الأوطان والدول وسيادتها القانونية والدولية من ناحية، ومفهوم الخلافة الذي تتبناه هذه الجماعات من ناحية ثانية، كما يكشف هذا الكتاب علاقة الترابط الفكرية القائمة بين جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات المتطرفة التي ولدت في مجملها من رحم هذه الجماعة، وفي مقدمتها القاعدة وداعش.

الحلقة 22

الباب الثاني: حالات تطبيقية

الفصل الرابع: الجماعات الدينية السياسية: السلفيون


رابعاً: مستقبل السلفية



خلص بعض الدارسين إلى أن السلفيين تمكنوا من الاستفادة في الانتخابات، ومن انجذاب الناخبين المسلمين إلى الأحزاب الإسلامية، لأسباب عدة، منها ما شهده المجتمع المصـري من زيادة هيمنة الخطاب الإسلامي المحافظ.





كما نظر كثير من الناس إلى تلك الجماعات على أنها تستحق الوصول إلى السلطة، وبسبب إعلان ارتباطهم بالدين وسط بيئة متدينة بالفطرة فإن شـريحة من الناخبين قد اعتبرتهم أقل فساداً.وبرغم أن السلفية ظلت محصورة إلى حد كبير في أوساط علماء الدين ولم تحاول تأطير عملها سياسياً أو تنظيمياً كما فعل الإخوان المسلمون، فقد استطاعت نشـر أهم الأعمال السلفية وتوزيعها، مثل كتاب مجموع فتاوى ومقالات ورسائل الشيخ ابن باز للشيخ عبد العزيز بن باز، وكتاب الأحاديث الصحيحة للألباني، وجعلها متاحة للجمهور، ولاقت هذه الأعمال اهتماماً متزايداً في سبعينيات القرن الماضـي، ولاسيما بين الطلاب.





وكانت هذه هي مرحلة تحول السلفية إلى ظاهرة اجتماعية ودينية أوسع. والأطراف السلفية التي انخرطت في العمل السياسـي بجمهورية مصـر العربية عام 2011م جميعها نشأت من الشبكات الاجتماعية والدينية التي ظهرت وتطورت منذ سبعينيات القرن الماضـي.

ويصل أحد الباحثين إلى نتيجة مفادها أنه من الباكر إصدار حكم نهائي على أداء السلفيين في مرحلة ما بعد الأحداث والتحولات الأخيرة في العالمَين العربي والإسلامي، بل إن المؤشـرات تؤكد أن مجالات تطور الخطاب السلفي كبيرة، وأن التحولات لا تزال في بدايتها.

وإحدى الدلالات على التحول السلفي بعد الأحداث التي جرت منذ عام 2011م، تتمثل في الموقف من الديمقراطية، وهي قضية شائكة بالنسبة إلى التيارات السياسية الأخرى؛ بالنظر إلى جذورها المستمدة من الفكر السياسـي الغربي، فعندما يقول السلفيون بفكرة الديمقراطية المقيدة بالشـريعة فهم يتقدمون بذلك خطوات كبيرة عن خطابهم السابق قبل عام 2011م، وذلك عندما كانوا يحرِّمون الديمقراطية على اعتبار أنها "نظام كافر مستورد من الغرب".

والمقصود هنا بالديمقراطية المقيدة بالشـريعة هو ألا تخرج الديمقراطية عن تعاليم الشـريعة ولا تتجاوزها إلى ما يخالفها، مثل: سفور المرأة، أو المساس بتعاليم الدين وأسسه المجتمعية، مثل الحفاظ على الأسـرة وغير ذلك.





خلاصـة
يشير هذا الفصل بوضوح إلى تباينات وتداخلات عدة يمكن ملاحظتها عند دراسة التيارات والجماعات السلفية، التي تشهد في مجملها تحولات فكرية ملحوظة في السنوات الأخيرة، ولا سيما ما يتعلق بالمشاركة السياسية والموقف من الأنظمة الحاكمة، وغير ذلك من أمور تتعلق في مجملها بالعلاقة بين الدين والدولة.

وإذا كان الإخوان المسلمون قد خاضوا تجربة الحكم وممارسة السلطة في أعلى قمة الهرم (رئاسة الدولة في جمهورية مصـر العربية) فإن بعض التيارات السلفية قد خاضت أيضاً تجربة المشاركة السياسية على مستوى المجالس التشـريعية، ولكن تجربتها السياسية هذه قد لا تبدو كافية للحكم على تطور الفكر السياسـي لدى هذه التيارات، ومسارات هذا التطور وآفاقه في المدى المنظور.

فالتحولات هي بالفعل في بداياتها والسيناريوهات مفتوحة على نهايات مختلفة، ولكنها تظل مرهونة بشكل كبير إلى مواقف الشعوب العربية والإسلامية تجاه الجماعات الدينية السياسية في مجملها، إذ يصعب القول إن هناك فصلاً واضحاً، على مستوى الوعي الجمعي الشعبي، بين التيارات والجماعات الدينية السياسية مثل الإخوان المسلمين والسلفيين وغير ذلك، بل إن صورة كل منها النمطية على حدة تتأثر، سلبياً وإيجابياً، بالأداء السياسـي لبقية التيارات والجماعات بحكم اعتبارات عدة تجعل من الصعب تفكيك النظرة المجتمعية إليها، كما أن الجماعات الدينية السياسية غالباً ما تؤطر أيديولوجياً ضمن التفاعلات السائدة في كل دولة على حدة وعلى المستوى الإقليمي بشكل أوسع، ضمن إطار تيار الإسلام السياسـي، كونها تصطف جميعاً في مواقف وقضايا عدة في مواجهة التيار المدني، بحيث يصبح الفصل بينها لا يخرج عن تباينات فكرية ضمن الإطار الجامع للتيار الديني السياسـي.