|
|
الحلقة 23 من السراب | السـروريون: النشــأة والأهداف
![]()
24 - أبوظبي
أصدر مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية الدكتور جمال سند السويدي، مؤخراً كتاب "السراب"، وتتمحور فكرته الأساسية حول "السراب السياسي" الذي يترتب على الوهم الذي تسوقه الجماعات الدينية السياسية لشعوب العالمين العربي والإسلامي.
ويكشف الكتاب، عبر فصوله السبعة، حجم التضارب القائم بين فكر الجماعات الدينية السياسية وواقع التطور الحاصل في النظم السياسية والدولية المعاصرة، خاصة فيما يتعلق بمسألة التنافر بين واقع الأوطان والدول وسيادتها القانونية والدولية من ناحية، ومفهوم الخلافة الذي تتبناه هذه الجماعات من ناحية ثانية، كما يكشف هذا الكتاب علاقة الترابط الفكرية القائمة بين جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات المتطرفة التي ولدت في مجملها من رحم هذه الجماعة، وفي مقدمتها القاعدة وداعش.
الحلقة 23
الباب الثاني: حالات تطبيقية
الفصل الخامس| الجماعات الدينية السياسية: السـروريونتعـد السـرورية من الجماعات الدينية السياسية التي ظهرت وانتشـرت في العقدين الأخيرين من القرن العشـرين، وتشير المصادر إلى أنها ولدت فكرياً من رحم الإخوان المسلمين أكبر وربما أقدم جماعة دينية في العصـر الحديث. والسـرورية تنسب إلى من يُعتقد أنه مؤسسها وهو السوري محمد بن سـرور بن نايف زين العابدين عندما انتقل إلى المملكة العربية السعودية لتدريس مادة الرياضيات فيها أواخر الستينيات من القرن العشـرين، وربما تكون من المفارقات، وعلى عكس الكثير من رجال الدين المعاصـرين، أن يكون ابن سـرور مؤسساً ومرشداً لحركة وتيار ديني خطير ولا يملك العلم الشـرعي الذي يؤهله لإصدار فتاوى وإطلاق أحكام فقهية في قضايا تتعلق بالتكفير والجهاد والحرب التي تعد من مقومات نشأة تياره. وبرغم قصـر الفترة التي ظهر فيها تيار السـرورية، وحركية الفكر التي تميز بها - في بيئة لم تكن تتقبل مثل هذه الحركية بسهولة بسبب سيادة أحد أهم مناهج السلفية التقليدية في العالم الإسلامي - ومع وجود تنظيمات وجماعات دينية سياسية أقدم، فقد انتشـرت السـرورية خاصة في المملكة العربية السعودية بشكل سـريع ولافت للنظر. وكثيراً ما يتهم هذا التيار بالضبابية، كما تدور شكوك حول وجوده كتنظيم مؤسسـي كما هي الحال بالنسبة إلى الإخوان المسلمين مثلاً.
ومع ذلك فإن أهمية التيار السـروري لا تنبع من سـرعة انتشاره ولا حتى كثرة أنصاره، وإنما من جاذبية أفكاره الخاصة بالجهاد، حيث يوائم بين ما هو حركي، وذلك ربما بحكم نشأة مؤسسه والكثير من أتباعه ضمن إطار الإخوان المسلمين، وما هو سلفي بحكم وجوده في إحدى أهم بيئاته المعاصـرة. ولعل هذا التزاوج المصحوب بضبابية الخطوط الفاصلة بين ما هو حركي وما هو عقائدي في المنهج هو ما أثار الكثير من الأسئلة حول طبيعة هذا التيار وحقيقة منهجه، والأهم دوره في نشـر ثقافة التكفير التي أصبحت تطبع الكثير من التنظيمات الجهادية، فكيف نشأ هذا التيار، وما العوامل التي أدت إلى انتشاره؟ وما أهدافه، ووسائله وحقيقة منهجه؟ وما الفرق بينه وبين الإخوان المسلمين، وبينه وبين السلفية (التقليدية)؟ وما دوره في ظهور ما يسمى السلفية الجهادية التي تتبنى منهجاً متشدداً في التكفير؟ وهل تراجع هذا التيار وانحسـر؟ وما العوامل وراء ذلك؟ وهل حقق هذا التيار ما كان يدعو إليه؟ أم هو مثل غيره من الجماعات الدينية السياسية مجرد سـراب؟تأسس التيار السـروري أو ما يطلق عليه السلفية الحركية على يد محمد بن سـرور، وهو رجل دين سوري ولد في حوران عام 1938م، وكان ضابطاً في الجيش، ثم عضواً في جماعة الإخوان المسلمين منذ عام 1953م. وعندما حدث الانشقاق في جماعة الإخوان المسلمين بالجمهورية العربية السورية عام 1969م بين "جماعة حلب" (تمسكت بأفكار حسن البنا)، و"جماعة دمشق"، (استلهمت فكر سيد قطب الصدامي)، مال محمد بن سـرور بحكم تأثره الكبير بفكر قطب إلى جناح عصام رضا العطار، (المراقب العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين في الجمهورية العربية السورية، والرجل الأكثر تأثيراً في تلك الفترة، قبل انشقاقه عنها).
وبسبب الملاحقات الأمنية التي تعرض لها الإخوان المسلمون خلال حقبة الستينيات من القرن الماضـي، انتقل محمد بن سـرور إلى المملكة العربية السعودية عام 1965م، حيث أقام بداية في "حائل" عاماً واحداً، ومنها انتقل إلى مدينة بريدة في منطقة القصيم، حيث عمل مدرساً في "المعهد العلمي" فيها. ومع ذلك لم يكن الدافع كما يقول ابن سـرور نفسه هو العمل، حيث يُعتبر الخروج من الديار من "المنكرات"، ولكنه كان مضطراً بسبب غلق أبواب العمل السياسـي آنذاك في الجمهورية العربية السورية. ومن المملكة العربية السعودية انتقل محمد بن سـرور إلى دولة الكويت، التي أقام فيها خلال الفترة 1973-1990م، حيث عمل في المجال الصحفي وتحديداً في مجلة المجتمع التي توصف بأنها أول مطبوعة للإخوان المسلمين في العالم العربي. ومن دولة الكويت سافر محمد بن سـرور إلى برمنغهام في المملكة المتحدة، حيث أسس فيها مركز دراسات السنَّة النبوية الشـريفة، وفيه أصدر مجلة السنَّة التي كان لها دور أساسـي في نشـر فكره وإظهار مواقفه السياسية. وفي عام 2004م انتقل إلى المملكة الأردنية الهاشميـة، حيـث لا يزال يقيـم فيهـا حتى الآن، كما يمتلك منزلاً في دولة قطر.
وقد توافر لمحمد بن سـرور ولكثير من كوادر الجماعات الدينية السياسية، ولا سيما أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، ملاذ آمن بالمملكة العربية السعودية، التي احتضنتهم خلال عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضـي. وقد تأثر محمد بن سـرور بالمنهج السلفي السائد هناك، ومن ثم بدأ ينشـر دعوته التي جمع فيها بين فكر الإخوان المسلمين الذي تربى عليه سنوات، والفكر السلفي الذي كان يعتقد أن الإخوان المسلمين قد ابتعدوا عنه، وانتشـرت هذه الدعوة بشكل سـريع من خلال المنابر الدينية والجمعيات الخيرية، وأصبحت في فترة وجيزة أحد أكبر التيارات الدينية الإسلامية انتشاراً في المملكة العربية السعودية وبقية دول منطقة الخليج العربي. وعلى الرغم من عدم توافر إحصاءات دقيقة حول عدد المنتمين إلى هذا التيار، فقد كان يُعدُّ، وفقاً لتقديرات مختلفة، من أبرز التيارات الدينية وكان له انتشار ملحوظ في التسعينيات من القرن العشـرين، وكان له أنصار في الكثير من الأقطار الإسلامية، ولاسيما المملكة العربية السعودية. وقد أُطلق على تياره اسم السـرورية، نسبة إلى منظِّره أو من يعتبر مؤسسه، وهي نسبة يرفضها محمد بن سـرور نفسه والكثير من أتباعه، حيث يقدمون أنفسهم جماعة إسلامية سلفية من دون اسم محدد، ولكن يؤكدها دائماً معارضوهم، سواء من الإخوان المسلمين أو من السلفيين التقليديين وغيرهم من المحللين والباحثين. وبسبب مزجها بين المنهجين الإخواني والسلفي المتباينين في الفكر والممارسة، فقد أصبحت السـرورية من التيارات التي ثار حولها خلاف كبير ودارت بشأنها نقاشات حادة، حيث يصنفها بعضهم تياراً سلفياً إسلامياً يهتم بالدعوة والفكر، ويرى آخرون أنها تنظيم حركي سياسـي لديه قيادات ومؤسسات موجودة في المملكة العربية السعودية والعديد من الدول العربية، بينما يرفض مؤسس التيار وأنصاره وجود مثل هذا التنظيم في أي مكان في العالم.
ثانياً: الانتشار والتمدد
انتشـر التيار السـروري بشكل سـريع في المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربية وتركز فيها، بحكم نشأته هناك واستفادته من البيئة التي يغلب عليها الطابع السلفي بحكم سيطرة المذهب الوهابي السلفي وقابلية المجتمع، والتوجه السياسـي لحكامه في تلك الفترة التاريخية؛ هذا بالرغم من أن أتباع فكر الإمام محمد بن عبدالوهاب يفرقون في الأساس بين الشأن السياسـي الذي هو من اختصاص ولي الأمر، والشأن الديني الذي هو من اختصاص أهل الدين والذكر، وهذا الأمر هو إحدى ركائز الفكر السلفي الذي يرى أن طاعة ولي الأمر تابعة لطاعة الله ورسوله، ويُعرف أولو الأمر بأنهم الأمراء والعلماء، ممن تجب طاعتهم في المعروف، أما إذا أمر أحدهم بمعصية الله، سواء كان أميراً أو ملكاً أو عالماً، أو رئيس جمهورية، أو غير ذلك، فلا طاعة له. وقد تركز حضور محمد بن سـرور القوي في منطقة القصيم، معقل الدعوة السلفية، حيث بدأ دعوته فيها، ومن ثم انتقلت إلى المنطقتين الشـرقية والجنوبية، وبقية مناطق المملكة.
تشكل بداية عقد الثمانينيات حتى التسعينيات من القرن العشـرين فترة ازدهار لما كان يُعرف بالصحوة الإسلامية في المملكة العربية السعودية، ومع ذلك وعلى الرغم من خروج مؤسس التيار من البلاد منذ أكثر من عقدين، فقد انتشـر الفكر السـروري أو "الصحوي" كما يسميه بعض الدارسين في مختلف مناطق المملكة، وهناك اعتقاد مع ذلك أن التيار يوجد بشكل كبير في عدد من الجامعات والمدارس والمؤسسات الحكومية في المملكة العربية السعودية، خاصة التربوية والتعليمية والثقافية، بل إن هناك تقارير تشير إلى تغلغله حتى اليوم في مستويات قيادية مهمة، خاصة في الجامعات.
.
وقد فتحت القدرات المادية للتيار السـروري، فضلاً عن توظيفه فكرة الجهاد وربطها بمنهج السلف الصالح، الباب أمام تحرك أتباع هذا التيار خارج المملكة العربية السعودية، وتمدد فكرياً وجغرافياً في عدد من دول العالَمين العربي والإسلامي. فقد انتشـرت الدعوة السـرورية في دولة الكويت من خلال التيار المعروف هناك بالسلفية العلمية، الذي كان يخوض معركة شـرسة مع تيار الجامية، الذي يُنسب إلى محمد أمان الجامي، الذي ينادي بالولاء المطلق والسمع والطاعة لولي الأمر ورفض التحزب، وتحريم كل أشكال الخروج على الحاكم. وقد حاول التيار السـروري عام 2005م تشكيل حزب سياسـي عرف باسم "حزب الأمة" كواجهة سياسية للتيار، وبدأ يدعو إلى حكومة منتخبة وتعددية سياسية وتداول سلمي للسلطة. وبرغم أن هذا الحزب محظور في دولة الكويت وكذلك بقية دول مجلـس التعـاون لـدول الخليـج العربيـة، فإنه تقدم للانتخابات الكويتية عام 2008م بـ 12 مرشحاً كمستقلين، وخسـروا جميعاً.
ويتبنى حزب الأمة، سواء في دولة الكويت أو غيرها من الدول، بما فيها دولة الإمارات العربية المتحدة، الأفكار المتشددة ذاتها، مع تباين توقيتات ظهور فروع هذا الحزب في كل دولة على حدة، وهذا التلاقي الفكري والتنظيمي ينعكس في اللقاءات والاجتماعات التي تلتقي من خلالها فروع هذا الحزب من دول خليجية مختلفة. والأكثر من ذلك أن هذه الأحزاب التي تتبنى توجهات متشددة ومعارضة لأنظمة الحكم في هذه الدول قد شكلت فيما بينها تحالفاً تحت مسمى: أحزاب الأمة في الخليج والجزيرة العربية، وأصدرت بيانات عدة أعربت فيها عن رفضها السياسات الداخلية والخارجية للحكومات الخليجية.
ويوجد السـروريون في دول خليجية أخرى كمملكة البحرين ودولة قطر، ولكن لا تتوافر كثير من المعلومات بهذا الشأن. أما في دولة الإمارات العربية المتحدة، وبالرغم من قيام التيار بإرسال عدد كبير من الدعاة سنوياً لإلقاء الدروس، خاصة في إمارة الشارقة، فلم يعد له وجود يُذكر الآن، ومؤخراً قامت مجموعة تنتمي إلى التيار نفسه بتأسيس ما سمته "حزب الأمة الإماراتي"، ولكنه لا يتمتع بأي انتشار أو دعم محلي.
وتتمثل السـرورية في جمهورية مصـر العربية في تيار يقوده جمال سلطان، ناشـر صحيفة "المصـريون" الإلكترونية ورئيس تحريرها، الذي حاول مؤخراً الخروج عن الخط السـروري التقليدي من خلال مراجعات فكرية لكتاباته السابقة، ومع ذلك فما زال هناك أنصار لهذا التيار في جمهورية مصـر العربية. وهناك من يرى أن التيار الذي قاده الداعية السلفي حازم صلاح أبو إسماعيل في جمهورية مصـر العربية وظهر بشكل واضح بعد تنحي الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، يتشابه في أفكاره ومنطلقاته مع السـرورية، حيث سعى إلى إنشاء تكتل أو تيار سياسـي يمزج بين الفكر السلفي ومبادئ جماعة الإخوان المسلمين، وإضفاء الطابع الثوري على تياره الفكري.
وفي جمهورية السودان وَجَدَ التيار السـروري أرضية خصبة، وتُعدُّ الرابطة الشـرعية هناك الواجهة المعلنة لهذا التيار. وتُعتبر جمهورية السودان من أكثر البيئات الحاضنة لهذا الفكر، حيث يتمتع أنصاره من خلال هذه الواجهة المرخصة بحرية الكتابة والتعبير والخطابة.
أما في الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية فيعتبر علي بلحاج محمد، نائب رئيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة، أهم رموز الفكر السـروري، الذي يحظى بوجود أتباع كثيرين له في الجزائر، بحسب ما تقول بعض الأدبيات.
وفي الجمهورية اليمنية ينقسم السلفيون الحركيون إلى فئتين، واحدة تتبع محمد بن سـرور نفسه، وهي متمثلة في جمعية الإحسان، وأخرى تتبع عبدالرحمن عبدالخالق اليوسف، أحد رموز الدعوة السلفية في العالم العربي، الذي اختلف مع محمد بن سـرور في موضوع العمل السياسـي والانتخابات والديمقراطية والتعامل مع السلطة الحاكمة.
كما توجد السـرورية في الغرب، خاصة في المملكة المتحدة، حيث كان يقيم مؤسسها محمد بن سـرور في برمنغهام بعد مغادرته دولة الكويت في بداية التسعينيات من القرن العشـرين على الأرجح في أثناء أزمة الخليج الثانية التي اشتد فيها الصـراع بين التيار السـروري والسلطات السعودية لمعارضته الاستعانة بقوات أجنبية في تحرير دولة الكويت من الاحتلال العراقي أوائل تسعينيات القرن العشـرين، كما أن لمحمد بن سـرور مواقف معروفة في التهجم على حكام دول الخليج العربية. حيث لقيت مجلة السنّة التي كانت تمثل أهم وسيلة لنشـر فكره رواجاً كبيراً في أثناء غزو دولة الكويت، خاصة بعد أن أظهر معارضة شديدة للعائلة المالكة في المملكة العربية السعودية على خلفية حرب الخليج الأولى وقد ساعدت المجلة على زيادة نفوذ تنظيم السـروريين في المملكة العربية السعودية وفي مناطق أخرى من العالَمين العربي والإسلامي.