-
15 - 4 - 2016, 10:00 AM
#1
لن تتألم إلا نفسك
-
لن تتألم إلا نفسك
*جريدة الخليج
شيماء المرزوقي:
قرأت قبل فترة من الزمن قصة عن رجل تقاعد لتوه عن العمل، وكان يجلس بين أبنائه جلسة عائلية دافئة، راح يتأملهم وقد ملأه الفخر والاعتزاز، فهم اليوم ذوو تخصصات علمية راقية، ببساطة نجحوا في حياتهم. احتدم النقاش بين الأبناء حول قضية فلسفية بحتة، ويبدو أن الأب وجدها فرصة ليعطي رأيه. وبعد تفكير طرح وجهة نظره بشكل عفوي وحاسم، عندها لاحظ أن أبناءه يتبادلون النظرات، وقد أطبق الصمت عليهم. وبعد برهة تابعوا نقاشهم، فأعاد طرح وجهة نظره، وكأنهم لم يسمعوه في المرة السابقة، منتظراً منهم أن يسمع وجهات نظرهم، لكنهم تجاهلوه، فسألهم: ما بكم يا أبنائي؟ أجابه أحدهم على استحياء: المعذرة يا أبي، ولكنك تتحدث عن موضوع مختلف تماماً عن الذي نتحدث عنه، وأنت معذور، فليس لديك علم بما يدور حديثنا حوله، كونه لم يمر بك من قبل. ضحك الأب، بل سخر منهم، لكنه عندما نهض واختلى بنفسه، نزلت دموعه، فالأبناء كانوا قد طعنوه. كيف لأبنائه الذي كان يعولهم، أصبحوا أفضل منه، بل و يتجاهلون آراءه؟
وهنا جاء القرار بأن يكمل تعليمه الجامعي، استغرب الجميع، فالأب متقاعد، وما الذي سيستفيد من شهادته الجامعية، لكنه كان متحمساً لقراره، كان يذاكر محاضراته ويناقش الدكاترة، حصل على علامات مرتفعة، ومرت الأعوام وفي يوم تخرجه سأله أحد أبنائه: والآن ماذا استفدت؟ رفع الشهادة في وجهه وقال: ربما الآن أستطيع أن أشارككم الحديث والنقاش.
تغيرت ملامحهم وعلموا، فقط في تلك اللحظة، أن ذلك الموقف لا يزال في قلب أبيهم المكسور، وأنه شكّل جرحاً لن يمحوه اعتذار، لكن في الحقيقة الذي كنت سأفعله لو كنت مكان الأب هو أن أسرد لأبنائي مسيرة حياتي الممتلئة بالكفاح وأقارنها بحياتهم المرفهة التي عاشوها داخل قوقعة حمايتي، لأن الحقيقة أن المعرفة والخبرات لا تقاس بشهادة، ومن الأدلة في هذا السياق «الطب البديل» الذي يفاجئنا كل يوم باكتشاف علاجات وأدوية مستخلصة من النباتات كان يستعملها أجدادنا، كوردة «الونكة» وما تسمى كذلك بـ«الدفلة» التي يستخلصون منها علاجاً لسرطان الدم عند الأطفال (اللوكيميا). رغم ذلك لا يمكننا لوم الأب أو اتهامه بالحساسية المفرطة لأن أسوأ شيء يمكن أن يحصل هو أن تعتقد أن أحدهم لا يقدر خبراتك الحياتية ولا وجهات نظرك.
ورغم هذا، فإنك عندما تحزن لن تتألم إلا نفسك، وعندما تنكسر لن تتأذى إلا نفسك، وعندما تيأس لن تذبل إلا نفسك، لذا تذكر أن نفسك لك وليست للآخرين. يقول الفيلسوف والكاتب المسرحي الروماني سنيكا: «رأيك بنفسك أهم من رأي الآخرين فيك».
ضوابط المشاركة
- تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- تستطيع الرد على المواضيع
- تستطيع إرفاق ملفات
- تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى