المجلة ورغيف الخبز
مقال يوسف أبو لوز
دار الخليج
المجلات الثقافية في الخمسينات والستينات من القرن الماضي كانت تحمل مشروعاً سياسياً وفكرياً وثقافياً، فأنتجت، بالتالي، تيارات معرفية وفكرية وفلسفية لها وزنها الماثل حتى اليوم في الذاكرة العربية .
بهذا التلخيص الصادر عن متابعة منشغلة بعمق في العمل الثقافي ذهب الشاعر المغربي محمد بنيس إلى توصيف مقطع من صورة المجلات الثقافية في الوطن العربي خلال الندوة المهمة والنوعية التي عقدتها دائرة الثقافة والإعلام في عجمان قبل يومين، وتداخل في الندوة كتّاب متخصصون في مسألة النشر خصوصاً النشر الالكتروني لنعرف من خلال الندوة، وربما للمرة الأولى أن العالم وبمن فيهم العرب مقبلون على كتابة رقمية تختفي أمامها الكتابة الورقية لتصبح “طللاً” أو “نسياً منسياً” مع مرور الأيام .
النقطة الأخيرة في الندوة تحتاج إلى كلام كثير وإلى توصيف معرفي أكثر دقة وأكثر علمية، ذلك أن اختفاء كتابة وظهور كتابة في حركة الزمن والتاريخ وحركة الثقافة، هو موضوع كبير ويحتاج إلى متخصصين قبل أي آراء انطباعية، تبدو أحياناً متسرعة ومتحمسة بالكامل للجانب الرقمي في عملية النشر .
لنتوقف، إذاً، عند آراء محمد بنيس، وهذه المرة من زاوية “وجدانية” أو “قلبية”، فالمجلة الثقافية قبل ثلاثين أو أربعين عاماً، كانت بالفعل أشبه بالحاضنة أو المرضعة أو الكافلة والمتبنية للكاتب العربي الذي كان يأخذ امتياز النشر وتكريس اسمه بوصفه مبدعاً وكاتباً معترفاً به مجرد أن ينشر أول نص له في تلك المجلات الورقية التي كانت، أصلاً، ابتدائية تماماً في تقنيات فنية من مثل الإخراج والتعامل مع الصورة وفرد المادة وبياض الصفحات والى غير ذلك من تفاصيل مهنية .
وعلى رغم “طفولية” تلك المجلات إلا أنها بالفعل كانت تحمل مشروعاً ثقافياً وسياسياً، وكان هاجس المجلة هاجساً معرفياً فكرياً قبل وبعد أي شيء .
بكلمة صغيرة . . مع انهيار أو تشوه الوجه السياسي العربي، من الممكن أن يتشوه كل شيء بدءاً من المجلة الثقافية وحتى رغيف الخبز .