قليل من اللؤم كثير من الحسرة
مقال حبيب الصايغ
دار الخليج
لا حزن ينتظر السائرين في الممرات الضيقة، ولا فرح . إنهم يؤجلون أحلامهم إلى آخر الصيف، وإلى مطلع الشتاء . تطلع نجوم الليل قبل شمس النهار، وتتوالى الفصول والمواعيد، يولد من يولد، ويتزوج من يتزوج، ويموت من يموت، تتسلق الأشجار المجنونة الجبال البعيدة، وتحمل الأنهار في مياهها شوق العاشقات البعيدات، تتحرك الرمال والصخور، ولا تنضب ذاكرة الجيولوجيا، فتدخل في الخصوبة المطلقة، ولا تخرج إلا بعد عشرة آلاف جيل .
ينطلق القطار المسائي فيصل إلى محطته قبل الأخيرة في الدقيقة الخامسة بعد منتصف الليل، وهنالك ينزل اثنان: ولد وبنت، ويقولان لليل المدينة الصغيرة الوحيدة، يقولان: يستخدمان مظلة واحدة، لكنه المطر، ولكنها الرياح، وهنالك ما يكفي من الماء لغسل المزيد من الوجوه والأرواح .
في رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح حكاية غير تلك، عاش مصطفى سعيد في لندن أوائل القرن الماضي . كانت لندن خارجة من الحرب ومن وطأة العهد الفيكتوري . عرف حانات تشلسي، وأندية هامبست، ومنتديات بلومزبري، وعاش هناك ثلاثين سنة في مغامرة ناتئة بعضها درس، وأكثرها حب، وأكثرها قتل .
عندما عاد إلى تلك القرية الصغيرة عند منحنى النيل تذكر تلك الأعوام الثلاثين: “ثلاثون عاماً . كان شجر الصفصاف يبيض ويخضر ويصفر في الحدائق، وطير الوقواق يغني للربيع كل عام .
ثلاثون عاماً وقاعة البرت تغص كل ليلة بعشاق بيتهوفن وباخ، والمطابع تخرج آلاف الكتب في الفن والفكر . مسرحيات برنارد شو تمثل في الرويال كورت والهيماركت . كانت ايدث ستول تغرد بالشعر، ومسرح البرنس أوف ويلز يفيض بالشباب والألق . البحر في مده وجزره في بورتموث وبرايتن، ومنطقة البحيرات تزدهي عاماً بعد عام . الجزيرة مثل لحن عذب، سعيد حزين، في تحول سرابي مع تحول الفصول .
ثلاثون عاماً وأنا جزء من كل هذا، أعيش فيه، ولا أحس جماله الحقيقي” .
في داخل كل منا مصطفى سعيد، ولم يعد الجنوب يكفي ولا الشمال . حسب المرء ألا يختار الممرات الضيقة، ولا القطارات التي تقف في محطات كثيرة .