نزهة الشعر
فوزية السندي
الملحق الثقافي / دار الخليج
-1-
في الحروب،
لا يجيد أحد منا عد الأموات
ولا حتى مراقبة سقوطهم
أو النظر الى الأرض
التي تتغطى بهم
في الحروب كلنا ميتون و . .
الاحياء منا بصورة مضاعفة”
الشاعر الافغاني عزيز سلطان أراش
-2-
لقد بالغت الثقافة العربية منذ وقت مضى في التمحور حول ابداعات تصلها من العواصم المضاءة بالنقد والترجمة، لتقع في محظور الانحياز المعلن واللاانساني، وهي تطالع فقط ابداع المراكز التي تزود الذاكرة الثقافية العربية بمنجزها الوحيد والساطي على حرية غيرها من ثقافات الشعوب الأخرى في التواصل .
لذا تعرضت حرية الثقافة وشمولية الابداع الانساني تحديداً، لتهميش أو تكسير باهظ على عدالة توصيل الانتاج الابداعي، حتى ادمنا على تحصيل منتوج ابداعي وحيد، متشابه المنشأ، غير معني إطلاقاً بمجاورة ومحاورة غيره من الثقافات الأخرى، حتى الآن، على الرغم من ندرة التفلتات على صعيد الترجمة، لم نزل نفتقر لتواصل حضاري عميق وغيرنا من الأمم .
لقد ظلت الترجمة للابداع المغاير بعيدة عن أمة تباهي الأمم بكون الشعر ديوانها الأول، لذا لنا ان نقف بذهول أمام كل تجربة تخترق صعب هذا الوعي المغلق والمعزول، وتحاول على الرغم من سيادة الصمت، أن تترجم - رحمة بنا- تجارب روحية وفلسفية صعبة، لتفضح أحادية الرؤية والانحياز المؤسف على صعيد التراجم، ولتعيد لنا توازننا الانساني الذي بتنا نتوق اليه .
-3-
هذه التقدمة لا بد منها لتعرية المسكوت عنه، ذاك السؤال الذي تناهض منذ سقوط صخر الثوابت، مع نهضة النقد والتراجم العربية، لنسأل:
لم لا نتصل بالابداع المهمش والحاضر معنا مثل الشعر الفلبيني، الهندي، الفارسي، الكوري، الأفغاني، أو غيره من نتاجات الشعوب الأخرى، مثلما نتصل دوماً بالتراجم الأوروبية والامريكية اللاتينية أو غيرها .
اذا كان السؤال الابداعي هو المحرض لايصال هذه التراجم، فهل انعدم لدى تلك الشعوب التي اذهلت العالم كله، بمنجزها الصوفي والفلسفي، كشعوب الدول الآسيوية مثلاً وشرقها المنحدر من ثقافات تراثية شديدة التنوع .
السؤال لم يعد خافياً على أحد، لكن تشبث الترجمة العربية بمصادر أحادية ومنحازة هو ما يدعونا للشك بمصداقية هذا الاشتغال الذي لا يكف عن التأكيد لنا كل ترجمة على أهمية تواصل ثقافات العالم ضمن الشروط الابداعية والانسانية وحدها .
-4-
“تغذية الشمس” منجز ابداعي، غير مسبوق بهكذا شمولية واختيار شديد الاحتراس، مشروع حضاري، استدعى ثلاث سنوات من جهد الكاتب “أحمد فرحات” الذي استرعته بشدة الاشتغالات الأدبية “للعمالة الآسيوية” في دولة الامارات العربية المتحدة، لذا أدام تتصاله بكتابات وحيدة، مغتربة، أشعلت لديه رغبة في ترجمة رؤاها وآمالها المكبوتة، اتسع هذا المشروع فيما بعد، ليشتمل على تجارب شعرية عديدة من بلد المنشأ ذاته .
حتى يكتمل المشهد الشعري، ذهب إلى هناك، تواصل مع التجارب الراهنة والمغيبة، رغبة منه في تعريف الثقافة العربية بالتماعات شعرية طال تغييبها عن الذاكرة الانسانية، لقد حقق “فرحات” في كتابه “تغذية الشمس” حلماً ابداعياً مؤثراً، دعانا معه، لنتعرف إلى شرفة نادرة، فيها حدائق لمنتهى الشعر من الهند، باكستان، ماليزيا، اندونيسيا الفلبين، تايلاند، كوريا الجنوبية، تايوان، بنغلاديش، افغانستان وبورما .
-5-
المذهل في تجربة “فرحات” كونها غير معنية بترجمة الشعر المكرس أو الموسوم بالشهرة، بل المصاب بطراوة الروح ، بمعنى الاتصال بذوات ابداعية تشتغل بجسدها وهي تحفر بروحها الشعر لتحيا، وهذا ما سوف نكتشفه كل رعدة نصاب بها ونحن نطالع تلك النصوص الشعرية .
يكفينا دلالة على هذا المنحى اتصاله بتجارب ابداعية “للعمالة الآسيوية” التي ضاقت بها أوطانها لتهاجر الى الخليج، ثمة تباريح تسردها ذاكرة متوجعة تمتحن فنون الشقاء، الألم والحب والحسرة، ذاكرة متيقنة من موهبتها، تشعل مرآة الذات، تلك التي حتماً تحققت بأبهى تجلياتها في هذا الكتاب الذي حوى كل هذه الحواس .