.
سهولة الكتابة وصعوبة الأدب
*جريدة الخليج
باسمة يونس:
«كيف تكتب رواية؟»، تفتتح مثل هذه العبارة كتباً كثيرة ألفّها كتُّاب معروفون، بهدف أن تصبح أدلة إرشادية وتوجيهية لمن يحلمون بكتابة رواية أو عمل أدبي على غرارهم، لكن هذه الكتب ورغم محاولات مؤلفيها تسهيل الأمر على غيرهم، لن تنجح في تحقيق الأحلام لأنهم يعرفون تماماً بأن الطريق التي شقوها إلى الكتابة الأدبية ليست بالسهولة التي ستبدو عليها، ولن تتحقق بمجرد الرغبة فيها أو تمنيها. وستبقى المسافة بين الكتابة ونشر المكتوب وبين إبداع الأدب والاستمتاع بصدوره مسافة بعيدة جداً تقطعها صحارى لا متناهية، كبعد الفضاء عن الأرض أو أبعد.
وتسهم مثل هذه الكتب التوجيهية في مساعدة من يبحث عن أسلوب سهل لتجويد كتابته وطريقة الكتابة من خلال التمرس والتمرن على خوض مجاهلها فتطيعه وتسير معه إلى حيث يريد، لكن الأدب لا يرضخ ولا يطيع أي كاتب، ولن ينصاع له مهما حاول أو فعل أو تمنى فهو مثل طائر نادر لا يحط على أي كتف، ولا يستقر فوق تراكمات حياتية بل ضمن انفعالات ومشاعر روحانية.
الكتابة العادية لا تحدث فرقاً ولا تختلف عن كتابة رسالة بريدية للسلام على صديق أو الرد على خطاب، أما الأدب فهو الذي يستثير مخيلة القارئ بين كل سطر وآخر، ويقبض قلبه بين أصابعه فلا يفلته إلا وقد أشبعه بالفرح والألم والحزن والدهشة.
والكتابة يمكن أن تقف في صف ناشر أو محاضر يعرف جيداً كيف يمنح مقالاته عناوين مبهرة ومشجعة ومدوية لدعوة الراغبين في كتابة وإصدار رواية خلال شهر، لمتابعته أو حضور إحدى الدورات وورش العمل التي ستؤهله ليكتب روايته الحلم، وستساعده على النشر بأسهل الطرق. أما الأدب فسيفر من قبضة القوانين والأطر الجاهزة وسيلقي بنفسه في محيط القلق والتوتر ينشد السباحة بين القروش ومصارعة الحيتان وموج البحر المتلاطم.
وكل ما يسبق الكتابة مجرد إعلانات صاخبة ومغرية إلى درجة لا تصدق، تدعو للالتزام بإطار محدد أو طريقة موحدة للبدء بكلمة والانتهاء بعبارة، أما الأدب فهو وميض ما يمكن استدراجه أو اقتباسه من الفكر والمخيلة والحياة والعالم والصور والطبيعة والأصوات والنغمات والروائح والنظرات والتجارب والمواقف والأحلام والمشاعر، ومزجهم في إناء سيخلص في النهاية إلى أدب مبدع.
الكتابة مهنة يحترفها من يتعلم كيف يصوغ العبارة ويسجلها وينمقها، أما الأدب، فهو أبعد ما يكون عن كل هذا لأنه يهزأ بالنمطية ويتلاعب بالكلمة ويحارب الأطر والجدران، ولن يصبح مهنة توقعه في شباك معلم مناهج وورش، ولن تقيده منهجية، لأن إبداعه في الحرية وحريته ترفض الرضوخ للقيد، ولن تقبل أبداً بأن تسير ضمن حدود أو دائرة مغلقة.