غوية.. ثمانينية تختار «الخلوات» وتصاحب السكون







الخليج - رأس الخيمة: عدنان عكاشة

إذا كان المتنبي «قد صحب الوحش في الفلوات منفرداً، حتى تعجب منه القور والأكم»، فإن المواطنة المسنّة غوية بنت خباب القايدي، البالغة نحو 85 عاماً، وفق تقديراتها ومن حولها، تشارك شاعر العربية ذلك الواقع، وهي تواصل العيش منفردة وحيدة، منذ رحيل زوجها قبل سنوات، فيما لم تنجب طيلة حياتها سوى ولد وحيد، فارق الحياة في حادث، وهو في العشرينات من عمره، وتوفي 3 من أشقائها وشقيقاتها، وهي أصغرهم، لتبقى وحدها على قيد الحياة، والأمل، والتحدي.
اختارت العجوز الحياة في عزلة، وخلوة لها، ضمن أرض عراء في مكان يدعى «القل»، بعيداً عن المناطق السكنية والعمران البشري الذي يبعد أقربه عنها نحو كيلومترين، على مقربة من بلدة شوكة، 100 كيلومتر جنوب رأس الخيمة، وغير بعيد عن كدرة التي تبعد 90 كيلومتراً جنوب مركز الإمارة.
وإذا كان شاعر آخر من كبار شعراء العربية، هو زهير بن أبي سلمى، «سئم تكاليف الحياة» حين بلغ الثمانين، «ومن يعش ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم»، فإن غوية لم تسأمها، وهي تواجهها في قسوتها، وعزلتها، وخلوتها، بروح حية وصدر رحب، بعيداً عن الأنس، ومظاهر الحياة المعاصرة، في بيتها البسيط، رغم أن أحباءها لا ينسونها من برّهم، وحريصون على تلبية مطالبها، ومد يد العون لها، حالهم في ذلك حال الجهات المختصة في الدولة، وعدد من الجمعيات الخيرية، ومؤسسات المجتمع المدني في الإمارات التي تعود «أرملة شوكة» بين الحين والآخر، وهي جهات تسلم مجتمعة برغبة العجوز في حياة العزلة والبساطة.

العزلة الاختيارية لساكنة الخلوات، كانت محطة لزيارة فريق «ثقافة حقوق الإنسان» في جميعة الإمارات للمحامين والقانونيين، الذي عادها في سكنها في «وادي القصعة» في المنطقة، قريباً من سدّها، مثيرة دهشة كل من يعرف قصتها، بهدف الاطمئنان إليها، ورصد احتياجاتها، والاطلاع على أحوالها، والإصغاء إلى حكايتها، تحديداً مع حياة العزلة، وتقديم المير الرمضاني لها، مع قرب حلول الشهر المبارك، وهو ما تضمن عدداً من المواد الغذائية والتموينية والاحتياجات الرمضانية الأساسية.
المحامي عادل عبد القادر فاخر، رئيس الفريق، أكد أن الزيارة الودية الإنسانية المجتمعية للعجوز ذات أبعاد دينية، وإنسانية، ووطنية، تتصل بصلة الأرحام، والوفاء لجيل الآباء والرعيل الأول من أبناء الإمارات، الذين ربّوا الأجيال من أبناء الوطن، وبنوا الدولة وشيدوا «الاتحاد»، وحملوا أحلام أبناء الإمارات على ظهورهم سنوات طويلة مضت، وهي شكل من أشكال البر، الذي يدعو إليه ديننا الحنيف، وتحثنا عليه قيادتنا الرشيدة، لاسيما مع قرب حلول شهر رمضان، وتشكل تجسيداً لقيم وفعاليات «عام الخير»، الذي دعت إليه القيادة.
عزة نفس
الفريق الذي ترأسه المحامي عادل فاخر، وضم سالم اليماحي، أشار إلى درجة التعفف، وعزة النفس المدهشة لدى العجوز، في ظل رفضها لأي مساعدة، مكتفية بما رزقها الله، تبارك وتعالى، وما منّ عليها، فيما قدم لها الوفد «رحلة عمرة» تكفّل بها أحد المحسنين من أصحاب حملات الحج والعمرة، والتكفل بمصاريف إحضار فتاة تخدمها وتقوم على مطالبها واحتياجاتها، لكن العجوز المتعففة رفضت، مؤكدة أنها تفضل خدمة نفسها بنفسها، متسائلة عمن سترضى بالعيش معها في مثل خلوتها تلك، وسط البر، والقفر، والوحشة، كما تفضل أن تبتعد عن مشكلات «الخادمات» وهروبهن المتكرر، بحسب قولها.

ساكنة «وادي القل» لا تخشى، حسب ما قالت لفريق «ثقافة القانون»، من حياتها التي تلفها الوحشة والوحدة في واد مقفر، وقد اعتادتها على امتداد سنوات طويلة من حياتها، والسر في ذلك هو توكلها على المولى، عز وجل، حيث تغمض عينيها ليلاً، ولا تفتحهما سوى مع بزوغ الفجر، لتصلي وتعدّ قهوتها، وتبدأ يومها الحافل بالهمة، والنشاط، والبساطة، وسط البر والخلاء والقفر، حيث لا زيف ولا مظاهر.