.
فريد عبقريات اللغة
*جريدة الخليج
عبد اللطيف الزبيدي:
هل ثمة أديب عربي من طراز المعري؟ حاول. محال. كنيته، أبو العلاء لا تليق إلا به. يجب إعادة النظر في هذا الرجل. لم تر العربية عالماً لغوياً محيطاً بأسرار البلاغة مع إبداع وهاج مثله. أحياناً يسخر من اللغويين في إشفاق، فتلمح وميض بسمات فكره الساخرة على شفاه الكلمات.
لقد ذهب إلى أقصى الاستقصاء اللغوي في نثره وشعره. من أين للعربي أن يعرف أبعاد الفضاءات في العربية، لو لم يرتدها مسبار إبداعه؟ ليس من السهل الصبر على قراءة «رسالة الملائكة». لعله مل النحاة فراح يطرح المسائل على رضوان أمام باب الجنة، في مشاهد مسرحية لا مثيل لها في أدبنا. لن تجد في العربية أديباً لغوياً ارتقى إلى هذه الطرافة العلمية بخيال فني. يسأل رضوان أبا العلاء ومن معه عن حاجتهم، فيقول: «نسألك أن تكون واسطتنا إلى أهل الجنة، فإنهم لا يستغنون عن مثلنا، وإنه قبيح بالعبد المؤمن أن ينال هذه النعم وهو إن سبح لحن. ولا يحسن بساكن الجنان أن يصيب من ثمارها في الخلود وهو لا يعرف حقائق تسميتها. ولعل في الفردوس قوماً لا يدرون أحروف كمثرى كلها أصلية أم بعضها زوائد.. وما يجمل بالرجل من الصالحين أن يصيب من سفرجل الجنة في النعيم الدائم، وهو لا يدري كيف تصغيره وجمعه، ولا يشعر أيجوز أن يشتق منه فعل أم لا.. وهذا السندس الذي يطؤه المؤمنون ويفترشونه، كم فيهم من رجل لا يدري أوزنه فعلل أم فنعل.. وشجرة طوبى كيف يستظل بها المتقون ويجتنونها آخر الأبد وفيهم كثيرون لا يعرفون أمن ذوات الواو هي أم من ذوات الياء.. والذين يشربون ماء الحيوان في النعيم المقيم هل يعلمون ما هذه الواو التي بعد الياء وهل هي منقلبة كما قال الخليل أم هي على الأصل كما يرى غيره من أهل العلم.. وكيف يستجيز من فرشه من الإستبرق أن يمضي عليه أبد وهو لا يدري كيف يجمعه جمع تكسير ولا كيف يصغره».
أسأل مثقفينا: هذه ذرة من مجرة المعري، فهل تجدون في تراثنا من أمهات الكتب وبناتها، ما يحتمل المقارنة؟ماذا يكون الخيال العلمي إن لم يكن هذا؟ما هو التجديد إن لم يكن هذا؟
لزوم ما يلزم: النتيجة الامتناعية: لن تجد فناً أدبياً غاب عن إبداع المعري، فماذا تقول المناهج والإنتاج الفني؟