خــمـــــس مـــرايــــــا -
بقلم لوركا سبيتي
النهار اللبنانيــة
حياة
كنتُ آلةً تصنع الحنان، أبطئ المشاهد العابرة، أسوق الوقت متكئةً على ما أسمّيه كينونتي، ومتماهية مع ما يسمّى الحياة. الحياة التي لم أختبرها سابقا. فأنا لم أعش إلاّ واحدةً، وهي لم تنته بعد، ولا أصدّق أنها بدأت فعلا.
الحياة مصّرة على ابتلاع أنفاسي، فهي تحتاجها كاملة، بشهيقها وزفيرها، بضيقها ورحابتها، لتكمل صنع الهواء. تحتاج نبضي لتتأكد من الوقت اللازم لخلق ما يشبه الأحلام. تريد بساعديّ أن تعلّم أشجارها المشي وعصافيرها الوداع. تسلب هذياني ليجلو لها المنطق. أُحسُّ بها تتقصد اغتيالي عند كل سانحة، فتقنعني بالسقوط وترمي بي من على سور لا أرض له.
مــوت
كم أحسست أن لا شيء في هذا البقاء إلاّ الخواء. لا شيء إلا الرتابة والمزيد من القسوة. أكثر اللحظات صخباً، أشدّها وحدة وتخليا. أكثر الأوقات إيلاما حين تنزلق الأرض تحتي فأنزلق بالأحلام. لا شيء إلا العجلة البطيئة الزائغة والمحكمة كغمد. أحفر في مهجتي قبراً، أزيّنه بالورود والصور والشعر والرخام، أدلّ عليه أولادي، الذين لم أنجبهم بعدُ، وأولاد الجيران الذين غالبا ما أتودد اليهم، وأولاداً غرباء لا أعرفهم، متيقنة ان الكل لن يتوانى عن أكلي حين أتقدد وأصبح جاهزة للتعليب.
أعلّمهم جميعا كيف يستسلمون للقدر فلا يضطرون للحذر، وكيف لا يرضخون للبقاء في قلب الحزن فلا يرون من الوقت إلاّ مروره ولا يوقظ الحنين الى الشمس إلاّ غروبها. أدرّبهم كيف يعيشون الحياة من غير أن يعشقوها لئلا يزدادوا جنونا على جنون، ولئلا تصعب عليهم فكرة الموت. أبعث بهم الى المرح، أبعد الكرى عن جنّيات الليل لتعطيهم سرّ التمتع بغسل قبري، وتفتيت الشِباك التي تطبق على مرارة أعشاشهم الطافية هناك.
في كل مساء تنتابني رهبة الأغوار، فأرى قبري يتضاءل كلما علوت حتى يتلاشى. أتنكر لحرّاسي وأتوق إلى بقائي وانحداري. أشتاق رحم أمي، بكائي على صدرها، أشتاق طفولتي وما وراءها. الماوراء الذي لا أعرفه ولكني أرى ملامحه في كل ما أكتب: هو في قرية من الطين، دروب مليئة بالصمت. صمت خاص لا يشبه الصدأ. هو فيها انفاس شريدة تحت سماء شريدة مكتظة بالصفاء. الماوراء الذي كلما مسّتني نسمة آتية من صوبه، أتأكّل اشتياقا لأراجيح من النوم المدلل، فأراني أستعير المعاول والمناجل والسيوف والبنادق والزجاجات الفارغة والكلمات القاسية الجارحة لأهدّم الأسوار الصغيرة والجدران العالية والنفوس المتعالية، ولأطرد شبح العمر السابرة جديته لاوعيي، فأنفضه لأعودَ نطفة حدودها الله.
ولكن أنَّى لي العودُ الى ربي، إلى اللامكان حيث العدم مترفع عن الوجود، وحيث الجسد الأبدي يرقص على وقع اشتياقي المبرر والمتجدد، وحيث لا وجود لملائكة شريرة ستظفر بإنفرادي بنفسي، فتحكم على حواسي بالكافور وعلى ذاكرتي بالنسيان وعلى جسدي بشرشف أبيض وعلى أضلعي بالحنين الذي حين يبدأ نفاد صبره، أبدأ أنا بالموت!
روح
ألقي عليها تحية الصباح، فتكمل الطريق ولا تردّ. أظنها لم تكن تسمع صوتي الجهوري اللذيذ: "عمت صباحا أيتها الروح". لا تسكت ولا تتكلم أيضا. تنظر الى الأروقة كأنها تنتظر أحدهم، أو تتأمل قرية في أول تشرين، تلمس صوت المطر كأنها تردده. من يراها يظنّها رقيقة كالمشهد الذي تتأمله، كالماء ينقر الهواء ويستسلم لملمسه، يظنها واثقة المزاج، كبيرة بحجم المتعة، يراها فتنقشع فتنة لحظوية تلملم معها ساعات من العمر لتذهب به الى أبعد من حمائم الرؤية.
كانت مستمعةً جيدة طوال أزمنة خلت. كانت تحلم بالفيلة، بالفيلة فقط. أو بكرسي متحرك فضفاض، يحملها الى أبعد ما يمكن الطرق أن تأخذها او فكرة ذكية توقعها في فم فاغر، فتنصاع انصياعا تاما، تجرجرها الى أعلى ثم الى أسفل حتى ينتابها بغتةً الغثيان. كيف لهذه الروح ان تقاوم الحياة، تلك التي تهوى السير حافية بلا رقيب. وبلا توقف تتمتم بأنها شاكرة لي أنها أنا، وأنها لن يروّعها ما قد تكتشفه وراء الغيب، ولن تعميها قوة بصرها، ولن تنمو على وهم بل ستستعيد حذقها ببساطة ولو متأخرة عند أول مساء مؤنس يستوقفها.
نافـــذة
كنتُ مسكونةً بالشياطين، في كل حديث أذكر الينابيع وعند كل نافذة أرى نفسي فراشة، باضطراب أقارب الضوء محتارةً من فكرة الإحتراق، ومحتارة من الهواء أيضا. الهواء الذي أراه خلال النافذة لاهثا بلا عمل، كأنه يسترجع قواه بعد معركة مع هواء آخر خارج نافذة أخرى!
كنتُ أصير كاملة عند لحظة الوقوف أمام "نافذة" تنسيني انتثاراتي، وتثني على انتصاراتي، وتحوّل الواقع خيالاً يحدد صباحي متى يحين والليل حين يجن. عندما أرفع أصبعي مستأذنة تغيير المشهد، أراها تلملم شعرها تتحرك كأنها تخطو من عالم الى آخر، كأنها تنشد الهدوء.
نافذتي لا تحمل ثمارا ولا حتى أزهارا، ولا خشبها ينفع حطبا ولا مجذافا. هي تطل على حياة دافئة عبر الحيوات التي تشاركها جليدها، حياة تزيح عنها إغفاءاتها فتدخل عبر زجاجها المكسور متموهة بريح طري أو جاف، وفق مزاجها المتغير، لكنها في الحالتين تضمد ضجيج الوصل وجرحا ناكئاً في صدري العجوز.
وكنتُ أُفتَتَن بسعة الخيال التي تحدثها في رأسي "نافذة"، فلا أضّيع وجها إلا ألقاني وجدت آخر أطل منه على نافذة أخرى. تغادرني فكرةٌ فتنصاع ورائي عشر، وقبل ان تبدأ بمغادرتي من جديد، أسرق من أدراجها وجها لا لأرتديه، ولا لأتعلق به - وأنا أعلم حتما أني سأفقده - بل ليصير لعبتي، أكسرها لأعيد ترميمها حين يحلو لي. أو ليصير أكذوبتي، التي اختبئ وراءها.
أكذوبة إثنين يلعبان الغميضة ليتلامسا ويعودا أدراجهما الى الرحلة الأولى. هذه المرة سيقفان وقتا أطول تحت الشجرة، الأول يداعب جذعها والثاني يغدو قطارا مستثارا يريد حمل اي شيء حتى النافذة، حتى الطيور التي تمر كما اللمحة عبر النافذة.
كم غفوتُ أمام النافذة، طفلةً تحتاج كل اللبن لتكبر، قلقة مثل عجوز محا حنينُه قسوة ماضيه. مشوّشة كمسافر يسمع عبر صفير الغربة الآتية، اشتياقا تركه خلفه ولا يزال لا يشعر بشيء. فكرة تمر خلف النافذة توقظ فيَّ توقاً، إن يأخذ مني لا أنقص وإن يعطني أزددْ حبورا.
هـــو
أمامه أتوق لأنجب نفسي، ولأشبه لمرة واحدة السعادة ولو بشكل مريب. أودع أحزاني صناديق وأودع صناديقي غرف النفس معتقدة أني وجدت لها أيادي تعانق أعوامها باطمئنان. لكني في الحقيقة كنت أتخبطّ بين حين وآخر بافتراقات عاصفة، فأكفّ عن الذكرى وعن السلام ورفع يميني للوداع. أهرب من خطأ سيرتكبني ويشتري بثمني رداء ليواري خطيئته الثرى، فيعلّقني بحبل الهواء ويشنق فيَّ ذئبي ليتركني مع أشدّ خرافي ضعفا.
وإذ كنتُ من عبّاد الفراشات والألوان والإستطراد والشيطنة والدهشة المبشرة بطفولة أبدية، كان هو كالروح التي ألقيتُ عليها التحية ولم ترد، لا جسد يسجنه، ولا هواء يسع جناحيه، فلا تروقه إلاّ بسمة فراشة، ولا تقنعه إلا الأفكار ينسجها أو تلك يستصلحها وسط تصفيق حاد من جمهور تعانق أعواما ولم يستيقظ إلاّ على ألم يشبه حشرجة الغياب. تعانق حتى نسي أضلعه معلقة في الهواء.
كنتُ في السابعة عشرة حين التقيته، كائناً بلا لون. في وجهه عينان غارقتان في الخضرة مثل ينبوع في قلب حقل. رأيتهما فخلت أشياء كثيرة وهماً: ضباب يمشط شعره، شوارع تتزين، حاكيت ليل البرية وعذوبة الصباح. ارتكبت حماقات تشبه تعثر عابر سبيل بحب عابر مثله.
اختلطت أفكاري وإذ بهذياني أطيعه كما يحلو له، يسيّرني كمختل يتعلق بزاف أمه.
عيناه رسمتا مداري، وبلا استئذان سبرتا غواية أعادتني الى أغوار الزمن السحيق، حيث الحقيقة سراب. هما ظلّي تتورد في فيئه وجنتاه، هما أنا حين تدثرني نظراتي، وألاصق تفاصيلي وأحاكي الأشباح موهمةً حياتي بحياة أخرى تجانبها.
مقلتان تسحران لساني لينطق ما يريد هو سماعه، فيجعلني أدمن استنشاق الألوان والغبار، أو بئرا تنتظر امتلاءها. فيهما أضعت ملاعبي، جرس مدرستي، بطاقة دخولي الى مسارح حلم لا يُردّ ولا يُستبدل ولا يباع بل فقط يسعد لأصغر مغلف قد يتسلمه. حلمٌ عارفٌ سذاجته ومتقصدٌ أحجياته وملوّنٌ فمه الطري، سلبني صمتي وركلني بوريد.
كنتُ كأن رائحة تفوح مني حين أراه. رائحة تذكّر بالقتل. فيما انا أرغب بالعودة، تدفعني هي الى مكان قصيّ لأهلك وسط طيّات حميمة من الإسفنج والإشتياق الشهي. أهذي كأن تتراءى لي عيناه زهرةً تصغي إلى عبيرها، فأكتشف انني صخرة تدخل أحشاءها لتنصت إلى إخلاصها لقسوتها، لتوشوش كينونتها ولتدرك أنها وليدة الصوت والصمت.
كنتُ في السابعة عشرة حين التقيته. مضى الزمن وابتلع الحاضر ألبومات الصور. وما زلت في السابعة عشرة، نسيت ان أنظر ساعتي منذ ذلك الوقت، لأن الوقت مذ "هو"، لا تواتر له ولا رفيق. شفتاه الممتلئتان لا تزالان في نكهتهما الاولى، شعره المقصوص حديثا والمرتّب ما زلتُ أراه جاثما على كتفيه، والحزن الذي لمع عند طرف محيّاه، حين رفّ لحظه، ناجى حزني فتوحّدا في دوامة من ضحك، وارتطما خفيفين كفراشة تلهو بجناحيها. هو المستقيم لا يُرتشى ولو في غسق، ولا يبالي كمن امتلك ذكرياته كلها. كمن انتهى من وداعاته كلها.
متُّ قبله ألف ميتة مع ألف سقطة، لكني في كل مرة كنت اظن ان الحياة لم تبدأ بعد، وأن القلب لم يحن مخاضه. ولم يخب ظنّي البتة.