النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: كافافيس.. اللذة الحسية مرتدية ثوب الشعر!

  1. #1
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    كافافيس.. اللذة الحسية مرتدية ثوب الشعر!

     

    كافافيس.. اللذة الحسية مرتدية ثوب الشعر!

    نعيم عبد مهلهل

    الدستور الاردنيــة





    "يا عبدي طهرت منظر الخلائق سنين وما طهرت منظري ساعة. وفي كل يوم أنظر إلى قلبك وأقول: ما تصنع لغيري وأنت محفوف بخيري ، أما أنت أصم لا تسمع؟" أبو حامد الغزالي.




    في مطلع الستينيات نشرت مجلة النفط ، ولأول مرة في العراق ، قصائد مترجمة للشاعر الإسكندري اليوناني الأصل قسطنطين كافافيس ، وفي منتصف السبعينيات نشرت الصفحة الأخيرة في جريدة "الفكر الجديد" قصائد لكافافيس بترجمة الشاعر العراقي سعدي يوسف ، ثم صدرت بكتاب مستقل يحتوي على مائة قصيدة مع مقدمة مترجمة عن الشاعر وعالمه ، وقد زامن هذا اهتمام عالمي بكافافيس وعلى مستوى الدرس الجامعي: ففي جامعات أمريكا يُعًدُّ الطلاب من هواة الدراسات الشعرية كافافيس ظاهرة شعرية تشتغل على الهاجس الروحي الصعب ، وأن ثمة تقابلات كثيرة بين هاجس اليوم وما أراد أن يقوله كافافيس في قصائده في عزلة معتمة وحياة هامشية قضاها حتى موته موظفاً مواظباً في العدلية المصرية ، غير عابئ بالذي يحدث ، ولم ينتبه إليه أحد إلا عندما ذكره الكاتب أي. أم فوستر في كتابه §الإسكندرية: تأريخ ودليل عام(1922) § ، الذي سلط به الضوء على هذا الشاعر في وصف جعل العالم يجتهد في نبش التراث الشعري الفذ لكافافيس عندما وصفه قائلاً: "السيد اليوناني ذو القبعة القشية ، الذي يقف بلا حراك أبداً عند زاوية منحرفة قليلاً عن الكون".



    وأيضاً ، كان للروائي لورنس داريل في كتابه الشهير رباعية الإسكندرية دور في صناعة المشهد الأسطوري لرجل كان يحلم أن ينال من الأضواء بمقدار الشمعة التي يضيء بها غرفته وهو يتحسس أجساد مَن يرغب أن يكشف دواخلهم الخجولة داخل القصيدة. وكانت فكرة الشعر عند كافافيس أنه الغاية البعيدة داخل الجسد الإنساني ، والتي يحق لنا تحسسها بأصابع الشعر فقط ، ما حفز داريل ليوقظ مجد المدينة ويعيد ترتيب تواريخ الحدث فيها عبر الحياة الساطعة لهذا الذي أطلق عليه لقب (الحارس الغريب).



    لهذا أنا مع كافافيس. وعندما أقاد بذائقة الشوق إليه ، فإنني أضع الذكريات القديمة محفزاً للتواصل مع هذه الروح المدهشة حين كان السفر مع متعة صحبة كتاب الشعر كبيرة. أما في الحرب ، فالشعر ، دائماً ، يكون المنقذَ من رتابة ذلك الزمن الطويل الذي يسبق الليالي المجنونة. والمفارقة أنني ، مع كافافيس ، كنت دائماً أستحسن إعادة قراءة قصائده في مساءات البرد الشمالي عندما تكون الربايا قد هيأت جنودها لاستذكار أهاليهم وبعضهم يشتهي ظله الآخر فيقوده الفراش إلى مداعبة أصابعه. ولكن لا شيء في مكان رجل وزمانه مثل كافافيس إذْ يقود جموح رغبتك إلى اكتشاف الداخل. عندها ، تستطيع أن تتغلب على قسوة البرد ونوازع تأخير الإجازات والفقدان الذي يصيب عائلة الربيئة حين تنحر شظيةّ ما رقبةَ أحد الجنود.



    صوفية جديدة


    في ذلك المكان الذي يستطيع به فمك أن يلامس خد الغيمة يدرك الشعر المفاهيم الرائعة التي خُلقَ من أجلها ، ولأن الشعر صنيع قلب عاشق ، ولأنه تطور بعد ذلك ليتشعب مثل جذر شجرة الجوز ، وليصير وسيطاً للطقوس الميتافيزيقية والموسمية والفنية ، فإنه يمثل اكتمال المشهد الكوني لدى كل ناظر عندما تجلس متربعاً على محيط الحصى المطل على الوادي الأخضر وتتأمل في شيخوخة الرجل وهو يدون بأصابع ثملة ومرتجفة واحدة من غوايات الحس اللذيذة التي عرف الجنود متأخرين أنها تعيش في لب المتغير الذي شمل الذات الغربية ، وقالوا حينها: إنْ هذا الشعرُ إلاّ ارتقاءّ بالحاجة المفقودة ، وعدَّه البعض تأسيساً لصوفية جديدة. وأنا مع هذه الرؤى ، لأن تلك القراءات أرتني شكلاً مكتملاً ومبعثراً ما بين الرغبة والممانعة ، لتكون لذة ممنوعة ، ولكنها ضرورية ، لنكتشف فيها حقيقة الحدث الروحي والتأريخي معاً ، كما في قصيدته §البرابرة§: فبرغم قسوتهم وبربريتهم ، إلاّ أنهم كانوا كما يقول الشاعر في خاتمة القصيدة: "والآن ماذا يحل بنا من دون برابرة؟ لقد كانوا نوعاً من الحل".



    هذا الحسُّ ، الذي رأت منه الدراسات الحديثة الحسَّ الملائمَ للتعامل مع عصر كهذا ، يعمم شهوانيته بطريقة سرية إلى الذاكرة ويحكمها بمتغيرات النص إلى إحالات عديدة تدرك من خلالها أن الشعر بروحه ومكيدته إنما هو الخيار الأهم عندما نقرر رسم الشكل القادم لحياتنا.



    ففي عزلة كافافيس ومداعبات الخيال الممنوعة التي كان يمارسها في غموض وسرية ، وبعضها كان يطبق على جسد ما ، حقيقياً كان أم متخيلاً ، فالأمر بالنسبة للشعر هو اكتمال حاجة لا بد معها أن يكون الأمر على هذه الشاكلة ، لهذا أختار كافافيس الماضي الإغريقي ليكون مرجعية لحاضر أراد فيه أن يمتع روحه وثقافته في ظروف قاسية بعدَ المجد العائلي والتجاري والسفر الدائم.



    ويبدو أن طفولة كافافيس ، ومعاناة أسرته من نوبات الإفلاس ، وطباع والدته.. كلها جميعاً جعلت الشاعر الحارس لفنار الإسكندرية يذهب بشعره إلى الجسد المُحرم ، وفيه يصب رغبات الداخل في غرفة كان أثاثها الغارق في الشرقية ينبئك عن طقوس غريبة غارقة في العتمة والسرية ، وحين رأت الضوء وشاهدها العالم في دهشة القراءة والتحليل ، كان الشاعر في دهاليز الموت وقد ودع العالم ولم يعرف أسطورته وأهميته سوى النخبة. وما أكثر الذين ينالون المجد متأخرين ـ شأنهم شأن الفرنسي أرثر رامبو.



    يشكل الحس مصدر إبداع كافافيس ، وتأخذ عزلته جانباً مهماً من هذا الإبداع الذي أرتكز على الارتماء في الماضي القديم تعويضاً عن رؤى كان الشاعر نفسه يراها لا تتحقق ، فاستعاض عنها بأن يدلف إلى الخفي من ذلك العالم الإغريقي الذي كان فيه عري الروح والجسد متجاورين بفعل مكاشفات الفلسفات الإغريقية القديمة التي رأت في ربة الجمال واحدة من الغايات السعيدة ، والتي ينبغي على الأثيني ان يمتلكها في مجتمع كانت طقوسه تقام بين رومانسية طافحة وزهو لفلسفة الكلام والمنطق وبين نظرة العسكرتاريا التي جعلت الإغريق يفكرون في اجتياح العالم أكثر من مرة: (المنتصريون ، المشهوريون ، المتألقون..هذه الحملة التي ليس لها مثيل ولا قرين ، هكذا نهضوا عالماً هللينياً جديداً وعظيماً..)



    على تلك المشارف المرهفة الحس وقف كافافيس ليقول كلمته. وكنت في قراءاتي لهذا الرجل أصمد ضد التأثيرات التي يمكن لتلك القصائد أن تتملكني ، ما يضطرني إلى مجارات من يختبئ في فراشه ليمارس طقس المودة مع يديه ، غير أنني كنت واعياً لفهم أن تعيش مع قصيدة: فمنذ أن قرأت كافافيس أول مرة شعرت بشدو العاطفة إلى مدركات وعي القارئ والمقروء ، ووقفت بثبات عند تخوم الوعي فأكتشفت الكثير من الألم الإنساني الذي كان الشاعر الإسكندري يعانيه في متاهات الرجوع إلى الوراء ، ففكرت يقيناً بأن مثل هذا الحس يمكنه أن يصمد في ليل الثلج وأن يهمل صراخ جبهات الحرب ويرتدي قميصاً شفافاً يُريكَ من محاسن الجسد الكثير ، غير عابئ حتى بما يقوله الطقس أن الليل سيكون موعداً لعاصفة ثلجية لا ترحم.



    روحانيات إغريقية


    كانت القصيدة عند كافافيس هي الحس بأعلى درجات إيقاعاته ، وكانت روح الشعر تسبح في مكان ضيق لا يخرج من محيط ذاكرة الرجل الذي كان زمن صمته وتأمله أطولَ من زمن كتابته ، وكان وعي المكان لديه يتحقق في مدينة واحدة تتشظى منها سماوات حضارة بعيدة لكنها ماثلة في كل لحظة بفضل استعادة الجسد حسية اللحظة والتمتع بها. وبالرغم من هذا ، كانت المدينة في فلسفة كافافيس تمثل الخيبة الواعية لقدرها ، والتي تتمنى أكثر ما يتمناه العشاق الإغريق.



    وبالرغم من هذا ، يؤثر الموجود الكوني وطبول الحرب في صمت الرجل ، فينزعج من الأحداث ، ويطلق رصاصات الرحمة على جسد المدينة ثم يقول: إنها الخراب أينما ذهبت. وتلك بعض خطابات الأسى الواضحة التي أظهرها كافافيس في قصائده برغم الغموض الذي لفَّ معظم حياته في سير يومي رتيب ، من البيت الذي لم يأوً سواه إلى مكان الوظيفة. وفي الليل تأتي استعادات غامضة تنزل فيها آلهة أثينا من مقاصف متعتها لتشارك الكاتب رصف رؤاه على الورق ، ومن ثم رزم هذه الأوراق في خزانة مهملة لكنها منحوتة بطريقة (الأرابسيك) ، حيث حرص اليوناني أن يكون كل ما حوله من الماديات شرقياً ، أما الروحانيات فكانت إغريقية بحتة:


    لا وجود لسفينة ، لا وجود لطريق...

    فمثلما دمرت حياتك هنا ، في هذه الزاوية الصغيرة..

    فقد دمرتها في العالم بأسره..



    هذا جعلني أعتقد أن الذين سحرهم كافافيس متأخراً ، وخاصة الأجيال التي تعاني المرض الحضاري في أمريكا ، كانوا يفكرون بالشاعر مثل حصان طروادة ، أي أنه منقذ بالمخادعة: فالذين قرؤوه اكتشفوا أن المتعة الحسية التي تمتلك هواجس كافافيس تكفي لتكون أنموذجاً لخلاص من رتابة الثقافة الجديدة التي تهتم بقارئ المترو أكثر من قراء الصالونات ، فاعتبروا أمر اكتشاف بهجة كافافي رسالة معلنة بضرورة عودة الجمال ليكون المخلص من عذابات المشهد المرتبك الذي يشترك في صناعته الكمبيوتر والخُدعات البصرية ، وكل الآليات التي حملتها العولمة والدبابات ، ثم نُفًّذَ كل شيء على نحو سيء باستخدام الإثارة والتشويق. لهذا ، فإن الحس الذي فضحته القصائد بطرق بارعة وتقنيات تحتاج إلى صفاء الحدائق المنعزلة كي نفك شفراتها ، أرتنا في قدرة الشاعر الكثير من المزاوجات بين الخفي والمعلن. ونجحت في تطويع الحدث التاريخي ليكون حدث الحاضر وكأن الماضي الإغريقي كان يسير عارياً في شوارع الإسكندرية ، أو أن كافافيس أراد من خلال هذا الماضي أن يفسر الخدعات الحياتية التي تمثلها إشكاليات الفلسفات الحديثة التي قربت العالم إلى حروبه الكونية بجهاتها شتى.



    من أجل هذا أرتدينا ثوب الشعر الذي نسجته أحاسيس كافافيس ، فأدخلَنا متاهة الظل إلى بقعة الضوء فكانت الربيئة المكان المثالي لتحسس ما يقدرُ عليه الشعر في الكشف عن مزيد من نزوات الجسد حين يتملكنا موت اللحظة ، أو ألم الغربة ، ونزول الثلج على أكتاف معاطفنا ليشعرنا بما أرادت قدرة الرجل أن تتوصل إليه في عزلتها الإغريقة ، وكانت في رؤاها تمثل الحدث الناضج والضمير الذي لا حدود لمودته عندما يرغب في ارتقاء الحالة المثالية التي نريد فيها أن نمسك اللحظة بالأصابع المرتجفة. ويقيناً أن محاورات أماسي الربايا صنعت من متعة قراءات الحس الكافافيسي عالماً أدركت فيه الروح ما تريد ، واستيقظ فيه الحس على صدى نشوة الجسد وهو يبغي من تخيل المشهد الجميل أن يصنع لوجوده مقامات من الحلم الطافح في ليل دخان السيكارة والكأس والوقت المتأخر الذي كان فيه كافافيس يستحضر آلهته المحببة ليقيم معها طقوسه الممنوعة ، التي يفضح الشعر رغباتها ، ورغم هذا فهو يصر على صناعتها:


    "يصمم كل فترة على بدء حياة أفضل.


    لكن عندما يأتي الليل بنصائحه الخاصة ، بمصالحاته ، ووعوده ، عندما يأتي بكل قوته الجسدية


    التي تشتهي وتبحث ـ عندها

    ضائعاً يذهب ثانيةً إلى لذته المميتة ذاتها".

    دوسلدورف جونوري

  2. #2
    مدير التغطيات والفعاليات الصورة الرمزية RAKBOY783
    تاريخ التسجيل
    3 - 12 - 2008
    المشاركات
    42,942
    معدل تقييم المستوى
    20

    رد: كافافيس.. اللذة الحسية مرتدية ثوب الشعر!

    شكرا لج اختي رذاذ عبدالله ع الطرح

  3. #3
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: كافافيس.. اللذة الحسية مرتدية ثوب الشعر!

    شاكرة تواجدكــ الجميل في المقهى الادبي،،
    دمت برقي،،

المواضيع المتشابهه

  1. موهبة الشعر
    بواسطة حطام في المنتدى مجلس الكتابات الأدبية الشخصية
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 29 - 10 - 2009, 11:18 AM
  2. قوة في تسريـــح الشعر
    بواسطة وميض الجنة في المنتدى مجلس البيع و الشراء
    مشاركات: 19
    آخر مشاركة: 23 - 10 - 2009, 12:32 AM
  3. [عاجل] صالون ل صبغ الشعر في راك
    بواسطة شجون الحبـ في المنتدى مجلس النواعم
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 31 - 8 - 2009, 01:43 AM
  4. مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 19 - 6 - 2009, 11:15 AM

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •