.
الوجبة السابعة
*جريدة الخليج
يوسف أبو لوز:
بينوم بينه في الضُّحى، والظهيرة والمساء، ست وجبات دائماً: ثلاث مرّات شمس استوائية حميمة، وثلاث مرّات مطر استوائي سريع، والسائح العربي يبحث عن شبيه له عند نهر ميكونج، لكن هناك وجبة سابعة دائماً قبل الإفطار أو بعده بقليل: إنها الموسيقى.
كمبوديا بلد درّاجات نارية وهوائية وشوارع تكاد تخلو من الإشارات الضوئية، ومع ذلك لا حوادث مرور، وبالقرب من الشارع «المؤثث» بعشرات المقاهي والمطاعم، يجلس «بوذا» هادئاً ومؤدباً بثيابه البرتقالية وصمته العميق، فيلقي السائح التحية على الأيقونة الصامتة، لكنه لا يسمع الرد، فالموسيقى بالقرب من النهر عالية الصوت، لكنها لا تخدش طبلة الأذن. ولا طبول بالقرب من النهر.
هل من لزوم لكل هذه المقدمة؟ نعم، فكأن السائح عندما عاد إلى بلاده يسمع إيقاعات موسيقية مركبة على أغانٍ هي ذاتها تلك التي سمعها تحت الشمس والمطر في مكان تؤخذ فيه سبع وجبات في اليوم.
في الشعر، بشكل خاص، يسهل تحديد ما يُسمى السرقات الأدبية، فما من صورة شعرية عبقرية تتجاوز أكثر من خمس أو سبع كلمات كافية أن يسرقها شاعر ما.
وخمس أو سبع كلمات خفيفة الوزن، والكلمات عموماً خفيفة الوزن مثل النساء الطويلات الرشيقات وحتى القصيرات، لكن هناك كلمات نابيات ثقيلة على اللسان وعلى الأذن البشرية التي خلقها الله في رأس الإنسان بالقرب من دماغه وعينيه وأنفه كي يسمع، ويفكر، ويرى، ويشم الصوت، وللصوت رائحة، ولكن، فقط في حالة الموسيقى.
سرقة الموسيقى لها مرادف آخر هو سرقة الصوت. ومن الصعب تحديدها بسرعة مثلما يحدث في الشعر.
والأذن البشرية كشّافة و(فضّاحة) تمتصّ الصوت وتخزّنه وتحتفظ به إلى أمد طويل، وأنت ربما تنسى مقطعاً شعرياً في مرور الزمن أو في مرور العمر، ولكنك قد تتذكر الصوت وتعرف تماماً تلك الموسيقى التي غابت عنك عشرات السنوات، وأكثر من ذلك ستعرف من سرق منك تلك الموسيقى «السائلة» من حنجرة امرأة طويلة أو قصيرة القامة.
يقال إن الموسيقى تنحدر من عائلة كونية واحدة، لأنها مثل طفلة في السابعة من عمرها تدرج بحذاء أبيض صغير على سُلّم لا هو سُلّم خشبي ولا حجري، بل مصنوع من الأوتار.
أحياناً، تموت تلك الطفلة ذات الحذاء الأبيض وتدفن في كمنجة أو في بطن عود.
تتحول من كائن إلى إيقاع أو صوت، أو أنها تلك الوجبة السابعة المأخوذة بهدوء في كل الأوقات.