.
في مديح الكتابة
*جريدة الخليج
يوسف أبو لوز:
ما هي الكتابة؟
.. الكتابة امرأة ولكنها لا تقبل أية ضرّة، ولا تقبل إلا ذاتها، تماماً كالمحبة التي أشار إليها جبران خليل جبران بأنها مكتفية بذاتها.
والكتابة علاج، وإنقاذ، وطمأنينة، وراحة بال.
المحاولات الأولى لبني البشر لممارسة الكتابة على الجدران والرسم عليها ما كانت في حقيقتها سوى بحث عن ملاذ آمن من سطوة الخوف في الكهف المعتم.. وهي أيضاً سلاح وسلوك.
الكتابة سلاح لأنها تحميك من الاسترخاء والكسل وتبعد عنك موت التأمل.. وهي تنشيط للذاكرة، خصوصاً ذاكرة الطفولة التي من قبلها يأخذ الكاتب متاعه كلّه بما فيها تلك المياه الصافية التي شربها من الحجر والتراب.
والكتابة نعمة، وأهدية عليا من الله لتهبط على قلب الإنسان وتجعله أكثر محبة للناس والأشجار والحجارة.
الكتابة أيضاً ذوبان أخضر في الذات الفردية وفي الذات الجماعية، وهي وسيلة اتصال بين روح وروح.. بين عقل وعقل.. وبين كيان إنساني وآخر.. وهي بكلمة ثانية مغارة الإنسان المضيئة على رغم كل عتمتها، ولأنها كذلك كان فيراندو بيسوا يكتب بطمأنينة كاملة كي يحمي نفسه من الانهيار ولكنه لكي يبقى في تلك المغارة سمّى أحد كتبه اللا طمأنينة.
الكتابة أيضاً موقف ورسالة.. وقوّة.
.. موقف لأنها تعطي رأياً عاماً سيكون من بين مئات وربما آلاف الآراء العامة في مجتمع وفي بلد.
والكتابة رسالة لأنها تنطوي على أخلاق وإلا تحوّلت إلى تهريج.
.. ثم الكتابة قوّة لأنها سلاح صامت، فهي مقروءة ولا أكثر من ذلك، فما من كاتب في التاريخ عُرف عنه أنه يتجول في مدينة وهو يحمل مسدساً أو سيفاً أو قلنسوة محارب.
ثم، أخيراً وربما، الكتابة محبة.
إنها كأس ماء باردة فوق شرشف أخضر مفرود على طاولة صغيرة في صباح باكر تعلوه غيوم رمادية صغيرة تشي بالرغبة في كتابة الشعر وكتابة الحب.
ثم أخيراً تماماً هذه المرة.. الكتابة عين وقلب وأعصاب ودماغ، وبسبب من إدمانها الذي لا يُعالج لا بالكيّ ولا بالتعاويذ ولا بالإيقونات السحـرية التي تنقل الإنسان إلى مكان آخر.. فإنها هذه المرأة التي لا تقبل أية ضرّة في بيتها الكبير دفعت الكثير ممن تولّعوا بقلبها الجميل إلى الموت والانتحار والانسحاب والصمت.
وهي أيضاً هذه الكتابة الماكرة والجميلة دفعت الكثيرين أيضاً إلى الحياة، وإلا كيف يمكن لكاتب أن يكتب الآن، وقارئ يقرأ الآن، بعد آلاف السنين من اختراع الكتابة؟