.
تحلب الماعز وتكتب الشعر
*جريدة الخليج
يوسف أبو لوز:
من قال إن المرأة في الشرق تطبخ وتكنس وتحلب البقر وتنجب الأطفال فقط، وإنها نؤوم الضحى وتحب الثياب أكثر من الخبز، وأعلى ما في خيلها ذات مغرورة نرجسية إذا كانت على درجة من الجمال الذي يكسر الحجر؟؟.. هذه فكرة خاطئة تماماً عن حواء الشرق الذي رسمه واسعو المخيلة من الاستشراقيين المراهقين الذين لم يروا في جهة الأرض الدافئة سوى رنين الخلخال ووسائد الحرير ورائحة العطر الذي يدوّخ رأس فيل.
المرأة في الشرق تكتب الشعر أيضاً إلى جانب جمالها الطبيعي، وتصنع من اللغة قصائد أشبه بقلائد الفضة الساخنة وهي في طريقها من الحقل إلى البيت مع قطيع من الماشية، أو، سرب من الفراشات الملوّنة بقوس قزح.
في الشرق تطبخ المرأة الطعام، وكذلك، تطبخ الكلام، وطعامها جميل مثل قصيدتها الجميلة خصوصاً إذا كانت تنحدر من الأرياف وتسكن في الجبال وتصطاد في حيّزها المكاني هذا، النسور والنمور وغزلان الصيف.
مسكينة المرأة في هذا الشرق المغطى بطبقة سميكة من المعرفة التضليلية المغلوطة من الألف إلى الياء، فهي زوجة الصياد ولكنها تعلّمه كيف ينصب الفخاخ، وهي زوجة المحارب ولكنها تعرف كيف تدلّه بغريزتها الداهية إلى كسب المعركة ثم الحرب، وهي أيضاً، شقيقة الشاعر، ولكنها تقول له، إذا أخطأ في اللغة، أن الجملة اللغوية هي جملة عصبية وعقلية، قبل أن تكون جملة من اللغة فقط.
نظلم امرأة الشرق كثيراً إذا صدّقنا أنها ظل إنسان، وصورة خلفية، وكائنة مقيمة في المرآة، وعضو بشري ناقص الثقافة والتكوين... وإلا كيف قامت شاعرة صينية مثل هسو تاو بتصنيع ورق خاص لكتابة الشعر، كما يذكر صلاح صلاح مترجم كتاب الأنامل النحيلة - من شعر النساء في الصين.. وكيف منح امبراطور صيني - وفق الكتاب نفسه - لقب سيدة المواهب لشاعرة تكتب بالسليقة وماتت في سن مبكرة، وكيف أُعدمت الشاعرة لي يي في القرن الثامن التي كانت كتبت.... يقال إن البحر عميق.. إلا أنه ليس بنصف عمق الحب، وكيف أعدمت، أيضاً الشاعرة هواروي فوران باستخدامها كهدف لتصويب السهام، كما يشرح مترجم الكتاب.
هؤلاء النسوة قبل مئات وآلاف السنوات كن يحلبن الماعز، وفي الوقت نفسه، يصنعن حليب الشعر.. في شرق الشعر.