.
هل يعرف الكتّاب الكتابة؟
*جريدة الخليج
عبد اللطيف الزبيدي:
ليس المبحث ماكراً كما يوحي به العنوان. الكُتّاب منذ قرون خلت يكتبون، يحبّرون، يسطرون، ثم صاروا على لوحة المفاتيح يلعبون. لكن، هل هم يعلمون خفايا ما فعلته الكتابة بالدماغ؟ الكتابة أعجوبة يعود اختراعها إلى حوالي خمسين قرناً، خصّصت لها مجلة «العلم والحياة» الفرنسية الملّف الرئيس في عددها الأخير (سبتمبر).
البحث يتجاوز قدرات الكتّاب، يتخطى القواعد اللغوية والأفانين الأسلوبية، لا مجال هنا للشكل والمضمون والمنهجيّة والجماليّات. الميدان لعلماء الآثار والأنثروبولوجيا والعلوم العصبيّة المتشابكة مع التحليل النفسيّ. حتى شؤون الكتابة تريد الانفصال عن الكتّاب وتعلن استقلالها. هؤلاء تفيد دراساتهم بأن اختراع هذه التحفة أدخل الدماغ وطريقة التفكير عصراً لا سابق له. القضيّة تتعدّى جعل الذاكرة فعّالة بطرائق لم تكن معهودة في وظائف الدماغ. النقلة النوعيّة التي تشبه الطفرة، هي ميلاد العقل الناقد. هذا لا يعني نفي النقد وحس النقد والتمييز قبل الكتابة. الجديد أبعد من النقد الشفهيّ الآنيّ. صار النص ثابتاً، يمكن الرجوع إليه كاملاً من البداية إلى النهاية، ونقله إلى أبعد المسافات من دون تحوير، وأن يضعه الناس على المحك في أجيال مختلفة زماناً ومكاناً، وأن يغدو النقد والتحليل والدراسة في حدّ ذاتها روافد لمعارف أخرى، وربّما متباينة جذريّاً عن النصّ الأصليّ. مراكمة المتخصّص والمتنوّع بشموليّة جغرافيّة وتاريخيّة، مدينة لاختراع الكتابة. تأمّل سرعة انتقال المعلومات عبر الشبكة وسعة انتشارها عالمياً اليوم، تدرك عظمة اختراع تدوين مخارج الأصوات، وتطوّر تقنياتها عبر القرون.
تطرح نخبة الباحثين ومضة طريفة، وهي أن الكتابة غيّرت تعامل الدماغ مع الكلمات والمعلومات. أصبحت المفردات أدوات وأشياء. مثلاً: ضع ثلاث مفردات في أربعة مربّعات متجاورة، ودع الرابع فارغاً، فإن الدماغ ينطلق فوراً إلى البحث عن اللفظة الرابعة المجهولة. مسألة لا يمكن حدوثها في الشفهيّ. قد تبدو التجربة بسيطة، ولكن المنطق التحليليّ البحثيّ المنهجيّ كامن فيها، وتأثير الأدوات في العقل مستتر فيها، منبثق منها، متفاعل معها. تدريب العقل الذي أحدثته الكتابة ثورة لا مثيل لها. الرضيع يتعلم الكلام في مدّة قياسيّة، في حين أن إتقان الكتابة يتطلب سنين. معاذ الله أن يكون في هذا غمز من قناة مناهجنا، أو لكز للقنوات.بطء تعلّم الكتابة يبرّره العلماء بأنه لا وجود لمورّثات تخصّ الكتابة، فهذه اختراع بشريّ متأخر لم تحسب له البيولوجيا حساباً في الحمض النوويّ.
لزوم ما يلزم: النتيجة اللغويّة: الكتابة معلّمة الدماغ ومربّيته، لهذا وقف لها تجليلاً أعطى «الحرف» و«الكلمة» أبعاداً معنوية تعظيميّة.