يعطي الحياة لكل شيء
مقال فوزية السندي
الملحق الثقافي / دار الخليج
1
حينما تستيقظ صباحاً .
اشكر، نور الصباح . لأجل حياتك وقوتك .
اشكر، طعامك، وبهجة أن تحيا .
إذا لم تجد سبباً للشكر، فإن الخطأ يستوطنك .
من حكم الهنود الحمر
2
كلما فتشنا كتب التاريخ وأوراقه المصفرة بحثاً عن حكمة نتشبث بها في هذا العالم الأصم الذي لا يصغي إلى صوت القلب ولا يعرف معنى محبة الأرض، العالم الراكض نحو المال الزائف والجاه المندثر، نحو تغليب العنف من البيت والعائلة حتى ساحات الحرب، حيث يتعالى الدخان مفسراً حجم حقد الإنسان على أخيه الإنسان، حيث الحضارة تتصدع على دوي الانفجارات وتلتحف السماء برماد الموت .
كلما فتشت عن حرف رحيم ألوذ به في ليلي الوحيد، لا أجد حرفاً بمثل عطف وحنو وحكمة الهنود الحمر، سكان الأرض السخيين بالمحبة على كل قطرة مطر تهبط من علياء الكون، حشرة صغيرة تحدق من على غصن يميل، غيمة عابرة، رملة وحيدة، خيمة ملونة، قلب ينبض بالحب آخر الليل .
حكمة الهنود الحمر تتجلى في قدرتهم على التسامح والعفو وتعلم الدرس ممن شنوا المذابح وأشعلوا حروباً شعواء لتشريدهم ومحوهم من تاريخ الأرض عبر القتل والإبادة حرفياً، مع كل ما تعرضوا له من قتل واغتصاب وطمس لتراثهم العظيم، إلا أنهم وهو يدافعون عن أنفسهم لم يتأثروا بصفات وسلوكيات المعتدين الغزاة، بل تعلموا منهم ثمن الحرية، وعلّموهم كيف يحترمون كائنات ومخلوقات الله على الأرض والسماء وفي كل أنحاء الكون .
هكذا كتبوا في ذاكرة أحفادهم العصية على النسيان:
“الطبيعة الأم، لها القدرة الكلية، إنها الخلود . ما هي اختراعات البشر، المدن المتعالية التي تنمو على تخوم الصحراء؟ الأسلحة الفتاكة التي يستعملها الإنسان، لكي يضمن ويدافع عن غزواته؟
لا شيء غير حفنة من الغبار المنظم، ستعيده القوى الطبيعية إلى شكله البدائي . اهجروا الحصن، لبعض السنوات . تخلوا لأشهر عن المدفع والرشاش، في المرعى . على الفور، سيكتسح العشب والشوك، الحجر . ثم يأكل الصدأ الفولاذ الصلب .
لمرات كثيرة في سالف الزمان . تكاثرت مدن قوية فوق صحارى واسعة . لم تبق منها اليوم إلا الأطلال، تنتهي بدورها متوحدة بالأرض العذراء دائماً .
مهما كان شأن الأفراد الذين يمرون؟ فقط ينفث فيهم الفكر ثم يندثرون إلى الأبد! إذاً، أبناء الأرض يستعيدون الأرض ثانية . وتعود من جديد، الأزمنة الأولى” .
3
ثمة رؤى فلسفية غير مسبوقة تجلل كلماتهم، وأنت تقرأ تستعيد الدرس تلو الآخر، عمقه يكمن في طبيعته الكونيه، كانوا مؤسسين فكرياً ليستلهموا التعاليم المقدسة من احترام كائنات الله في كل مكان، من كونهم يتقصون المعرفة عبر التجربة الحياتية لا من خلال الثرثرة والشعارات كما يحدث الآن، يمارسون قناعاتهم بصدق وحرص على أن يعم الخير كل الأنحاء، حبهم للحياة يعلمهم الإصغاء لها ولدروسها، وما كنا نراه من نقوش وألوان زاهية على خيامهم ووجوهم وملابسهم القليلة هو الدليل الساطع على اكتنازهم بروعة المخيلة والتباهي بحضور الجمال .
كانوا يجتمعون في العراء ويصغون الى كلمات الحكيم المتدثر بردائه الملون، أمام النار المشتعلة يتحلقون ونسائهم واطفالهم وحيواناتهم وغيومهم من حولهم ويصغون إليه:
“أيها الفكر الكبير، صوتك الذي أسمعه في الرياح وهبوبها، يعطي الحياة لكل شيء، استمع إلي .
أنا قادم إليك، مثل واحد من أطفالك الكثيرين، أنا ضعيف . . . صغير . . . أحتاج إلي حكمتك وقوتك .
أتركني، أسير بين الجمال . واجعل عيني تكتشفان دائماً احمرارات وكذا أرجوانية كل غروب للشمس .
علّم يديّ احترام الأشياء التي خلقت، وأذنيّ أن تكونا مرهفتين لسماع صوتك .
اجعلني حكيماً، حتى أتمكن من فهم ما لقنته لشعبي، والدروس التي أخفيتها في كل ورقة وصخرة .
أطلب منك القوة والحكمة، ليس لأترفع علي إخوتي، ولكن لأغدو قادراً على محاربة أكبر أعدائي، أي ذاتي .
اجعلني دائما متأهباً لكي أتقدم أمامك بيدين نقيتين ورؤية مستقيمة .
هكذا، حينما تنطفئ حياتي مثلما تغرب الشمس، يمكن لفكري الحضور عندك من دون خزي” .
4
الجمال أمامي، علي أن أمشي .
الجمال ورائي، علي أن أمشي .
الجمال فوقي، علي أن أمشي .
الجمال من كل جهة، علي أن أمشي .