الثقافة بين الرصيف المغلق والمقهى المفتوح
شوقي بزيع
الملحق الثقافي / دار الخليج
لم تكن ظاهرة مقاهي الرصيف التي ازدهرت في بيروت، بدءاً من ستينات القرن المنصرم وحتى سنوات قليلة خلت، هي من بنات أفكار العاصمة اللبنانية أو من ابتكاراتها الخاصة بها من دون سواها من المدن، بقدر ما كانت امتداداً لظواهر مماثلة عرفتها مدن الغرب كلندن وباريس وروما وبرلين قبل أكثر من قرن من الزمن . وإذا كان لهذه الظاهرة من دلالة معينة، فهي أنها تجسد حاجة المجتمعات التي تنعم بقدر وافر من الحرية للخروج من عتمة الداخل ورطوبة الأماكن المغلقة باتجاه الفضاء المفتوح الذي يوفر لرواده قدراً أكبر من الهواء والضوء والتواصل مع الآخرين، ولما كان الإبداع لا يقوى على التفتح والازدهار إلا في كنف الحرية من جهة والتفاعل مع الآخر من جهة أخرى، فقد بات هذا النوع من المقاهي قبلة أنظار الكتّاب والشعراء والفنانين الذين يحولون المساحة الصغيرة المتاحة لجلوسهم إلى فسحة استثنائية للترويح عن النفس، أو لإثارة السجالات الأدبية والفكرية، أو حتى للكتابة والإبداع كما هو الحال مع شعراء وكتّاب كثر في مشارق الأرض ومغاربها .
يتجاوز الرصيف بهذا المعنى دلالته الحسية المباشرة ليصبح رمزاً لكل ما يخرج عن سياق الامتثال الأدبي والفكري التقليدي، أو ما يكسر سلم القيم الأخلاقية المتوارثة بحثاً عن المغاير والمختلف . إنه البرزخ الرمزي الفاصل بين الداخل المغلق على قيوده الرتيبة وأنظمته الصارمة وبين الخارج المشاع للجميع الذي يمثله الشارع العام والذي لا يمتلك أية خصوصية تذكر، لهذا السبب لا توجد مقاهي الرصيف في المدن المغلقة أو المحافظة أو الخاضعة للاستبداد، ففي هذه المدن الأخيرة ليس ثمة إلا داخل شبيه بالحصن أو القلعة، حيث المنازل أيضاً بلا شرفات، أو خارج متمثل بالزقاق أو الشارع أو الأوتوسترادات المقتصرة دورها على التنقل، من هنا نستطيع أن نفهم قول سارتر الذي هو أحد الرواد الأكثر شهرة لمقاهي الرصيف في باريس، إنه يفضل أن يشق لنفسه طريقاً خاصاً وضيفاً للعبور على أن يستخدم الطريق السهل والمشترك بين الجميع الذي تمثله الجادات والشوارع الفسيحة .
كانت مقاهي الرصيف بهذا المعنى الأسلوب الذي اختارته بيروت لتعبر عن احتفائها بالحياة وقدرتها الهائلة على تلقف الظواهر الوافدة من الخارج، أو البشر القادمين إليها من بلدانهم العربية والمشرقية المحكومة بالاستبداد والتعسف ومصادرة الرأي، وحتى في ذروة حربها الأهلية الطاحنة ظلت المدينة رصيف الكتّاب العرب الأكثر تنوعاً ورحابة، بحيث رأى هؤلاء فيها، رغم المخاطرة الجسدية والحياتية، الحاضنة الأكثر دفئاً لكل ما يعتمل في دواخلهم من أحلام وطموحات ولم يكن من قبيل المصادفة أن يطلق الشاعر الفلسطيني الراحل علي فودة على المجلة التي أصدرها في بيروت قبل ثلاثة عقود تسمية “الرصيف” حيث كان يرى في “لؤلؤة المتوسط” المكان الملائم للخروج على النص والذي يتيح لأجمل “الصعاليك” الفلسطينيين يومذاك أن ينتصر للمروق على الطاعة وللرفض على القبول، وللهامش على المتن .
ليست الحرب وحدها هي التي نالت من ظاهرة مقاهي الرصيف في بيروت المغدورة من كل صوب وناحية، بل بدا استشراء قيم العولمة ونظام السوق والرغبة في الربح السريع الاسفين الأكثر ضراوة الذي قوض هذه الظاهرة الريادية الفريدة وحملها على التضاؤل والانكماش، هكذا أغلقت مقاهي شارع الحمراء واحدة بعد الأخرى لتحل محلها مطاعم الوجبات السريعة أو المخازن الكبرى ومحلات بيع الألبسة الجاهزة، ذلك أن الأثمان البخسة لفناجين القهوة التي كان يحتسيها المثقفون على طاولات الكلام اليومي لم تكن بأي حال لترضي جشع المتمولين الجدد ومبيضي الأموال الراغبين في توظيف ثرواتهم الهائلة عبر قنوات سريعة للربح وتنمية الثروات لا تمت للثقافة والإبداع بأية صلة تذكر، هكذا راحت مقاهي الرصيف تتعرض للإقفال واحدة تلو الأخرى تاركة للمثقفين اللبنانيين الخيار بين أن يعودوا إلى منازلهم الرتيبة والآمنة أو يتحولوا إلى لاجئين ثقلاء في مقاهي التسلية وألعاب الورق والنرد .
غير أن الخيال الثقافي اللبناني لم يكن ليقبل الهزيمة الكاملة والانكفاء الكامل أمام الضربات الموجعة لرأس المال المتعطش إلى الربح، فعمد الشاعر شبيب الأمين إلى تأسيس مقهى ليلي ثقافي أطلق عليه اسم “جدل بيزنطي” وحوله إلى مكان لعقد الندوات والأمسيات الشعرية المتلازمة مع الطعام والشراب والمنادمة الإنسانية . وكان لنجاح التجربة المذكورة أثر بالغ في تمددها واتساعها اللاحقين بحيث افتتح الشاعر والروائي والموسيقي علي نصار مقهى آخر في شارع الحمراء تحت عنوان “دينامو”، وتبعه عربي العنداري بتأسيس مقهى ثالث بعنوان “رد” التي تعني أحمر بالعربية . هذه المقاهي الثقافية الجديدة بمثابة المخرج الملائم للتوفيق بين النزوع الحسي للحياة المعاصرة وبين رغبة المدينة في الاحتفاظ بدورها الثقافي الطليعي فإنها تؤكد في كافة الأحوال، وبمعزل عن الحكم الأخلاقي على الظاهرة، على قابلية بيروت الدائمة للتكيف مع متغيرات العصر واختباراته الصعبة .