باقة ورد
مقال حبيب الصايغ / دار الخليج
الحياة لا تختصر الوردة، لكن الوردة لا تختصر الحياة، وتظل العلاقة بينهما مسألة نظر . بينهما الشوك والعطر، وبينهما الغرق والنجاة . بينهما تلك الأسرار القريبة من سقف الوشوشة، وبينهما لغة عذبة لا تقال أبداً ولا تكتب، وإنما تنثر في الهواء كالهواء، وبين الوردة والحياة حكاية ثأر قديمة تتجدد كلما انحسرت أمواج الحياة عن صرخة وردة وهي تتفتح .
ومرة كنتُ، وجاءت وردة وحيدة تطرق باب الليل .
ومرة كنت، وكانت وردة معي، وكان الليل .
ومرة أذكر قلت للهباء: يا هباء .
أنا هنا لأن وردة هنا، وأنني أحببت فيها جذرها الصاعق كالنعاس، واعتدادها الريان كالتويج، وانتشارها في الصدر كالذبحة، وامتدادها في قسمات الشمس كالصحوة، في الميلاد كالفجأة، في البلاد كالراية، في رأسي كرأسي، في الهواء كالهواء .
لم أكن حاضراً في حفلة الورود . اصطفت لوحدها ناحية الشمس، واصطفت المواكب في مواجهتها ولم يعرف بعد أكانت المواكب لاستقبال أم لوداع .
كانت الورود توزع تجاربها وتباريحها على المتفرجين ولم أكن حاضراً .
إذ أهملتني سنوات الورد .
حاصرني ظلي
عرقلني ظلي
والشمس محدودبة الظهر كشكل بارد الشكل .
والظل يقظان، وأصبحت صبياً شاهقاً ألعب بالكرات والأحلام والقصائد . الورد اصطفاني لأغني في احتفال الورد بالغناء .
لكنني منتصف الحفلِ
على أقل من مهلي
نسيت أن لي صوتاً وناياً وربابه
وكان أن في ليلة مذعورة مثلي
وكان أن في ليلة مظلمة مثلي
تزوجتني وردة الكتابه
وأنجبتني وردة الكآبه
لم أكن حاضراً في حفلة الورود، إلا أن باقة الورد الأسطورية التي كنت أحملها في صدري منذ الطفولة كبرت معي، وبدأت تغير ألوانها بعد أن تجاوزنا معاً سني المراهقة .
أن تكتب الوردة وردة، فإنه الزمان .
وانها الفصول باكراً قد غادرت أوانها، وشرفت قبل الأوان .