موضوع مهم وجميل..
اختيار موفق
وسلمت يداك
|
|
سأل رئيس وزراء بريطانيا الأسبق ونستون تشرشل معلمه والمتحدث الرسمي باسمه بورك كوكران (وهو أمريكي الجنسية) فقال له: بورك، ما سر البلاغة في القول؟ فأجاب: إن تحقيق البلاغة في القول يعتمد أساسًا على إيمانك بما تقول، إنَّ صدق القول يعني أن لا تتحدث بما لا تؤمن به.
من لا يستطيع إقناع نفسه بما لديه فكيف يستطيع إقناع الآخرين به؟! سؤال يحتاج إلى إجابة شفَّافة صادقة.
إن النصيحة التي نوجهها لكل من يود إقناع الآخرين بأفكاره وقناعاته ومنتجاته وخدماته مفادها (بدون فلسفات) وملخصها (من غير تعقيد): لا تحاول أن تقنـع الآخرين بما لست مقتنعًا به.
نعم، كل إناء بما فيه ينضح، وفاقد الشيء لا يعطيه، ومن لا يملك النصاب لا يزكي، وليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة.
لذا؛ احذر ثم احذر أن تكون أول المنهزمين، أو أن تتناقض مع نفسك، واحرص أن تفهم جيدًا ما تود إقناع الآخرين به، وتسبر أغواره، وتدرك أبعاده وخفاياه، وتكون أكثر الناس إيمانًا به، وأول الناس تصديقًا له، وأشد الناس يقينًا به، وعندئذ سترى كيف يقتنع الناس بما تقول، إنْ عاجلاً أو آجلاً.
وصدق القائل حين قال:
يا أيهـا الرجـل المـعلِّـم غيـره ... هلا لنفـسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذى السقام وذي الضنا ... كيما يصح به وأنت سقيـم
لا تـنهَ عـن خلـق وتـأتي مثله ... عارعليك إذا فعلت عظيم
ابـدأ بنفـسك فانهـها عـن غـيِّها .... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهـناك يُسمَـعُ مـا وعظتَ ويُقتدى ... بالعلم منك وينفع التعلـيم
إن قناعتك بما تحاول إقناع الآخرين به، وإيمانك بقضيتك، ويقينك بما تسعى لتسويقه، كل ذلك يزيدك ثقة بنفسك، ويجعلك أقدر على التأثير على الآخرين.
إننا ندعوك أن تكون صادقًا مع نفسك، وأن تتكلم بما أنت مؤمن به، وأن تعلم أن الصدق منجاة وبركة وتوفيق من الله تعالى في الدنيا والآخرة. كما أنك بالصدق تنجي نفسك من معركة شرسة تشتعل بين ما تتفوه به وبين ما بداخلك، ولو أشعلت هذه المعركة فإنك حينها ستكون أول وأكبر الخاسرين.
إن الناس ليسوا أغبياء كما يظن كثيرون، إنهم أذكى مما نتصور، إن بإمكان كثير منهم التعرف على الكاذب المخادع والماكر المراوغ، إنْ عاجلاً أو آجلاً، وما أجمل كلمات زهير ابن أبي سلمى حين قال:
ومهما تكن عند امرىءٍ من خليقة ... وإنْ خالها تخفى على الناس تُعلَمِ
لقد كان الكذب أبغضَ خُلقٍ إلى رسول الله (ص)، حيث يروي الإمام أحمد في مسنده عن عائشة أم المؤمنين (رضي الله عنها) قالت: ”ما كان من خلق أبغض إلى رسول الله (ص) من الكذب، ما اطلع على أحد من ذلك بشيء فيخرج من قلبه حتى يعلم أنه قد أحدث توبة“.
وروى الإمام أحمد أن رسول الله (ص)قال: ”يطبع المؤمن على الخلال كلها، إلا على الخيانة والكذب“.
وسئل رسول الله (ص): أيكون المؤمن جبانًا؟ قال: ”نعم“، قيل له: أيكون المؤمن بخيلاً؟ قال: ”نعم“، قيل له: أيكون المؤمن كذابًا؟ قال: ”لا“. (رواه مالك).
وكلما كانت الكذبة تمس عددًا أكبر من الناس وتضر بهم كلما كان إثمها أعظم عند الله ووزرها أشد، فقد روى الإمام البخاري في حديث طويل أنَّ النبي (ص) قال: ”رأيت الليلة رجلين أتياني.. قالا لي: الذي رأيته يُشَقُّ شدقه فكذاب، يكذب الكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع به هكذا إلى يوم القيامة“.
إن الإسلام أراد من أتباعه أن يتربوا على الصدق منذ نعومة أظفارهم، وحث الآباء على غرس هذا المعنى في نفوس أبنائهم وعدم التساهل في ذلك.
يروي الإمام أبو داود عن عبد الله بن عامر (رضي الله عنه) قال: دعتني أمي يومًا ورسول الله (ص) قاعد في بيتنا، فقالت: تعال أعطك، فقال لها رسول الله (ص): ”ما أردتِ أن تعطيه؟ “ قالت: أردت أن أعطيه تمرًا. فقال لها: ”أما إنك لو لم تعطه شيئًا كُتبتْ عليك كذبة“.
ويروي الإمام أحمد عن أبي هريرة (رضي الله عنه) عن رسول الله (ص) قال: ”من قال لصبي: تعال، هاك، ثم لم يعطه فهي كذبة “.
ويقول علي بن أبي طالب (رضي الله عنه):
ودع الكذوب فلا يكن لك صاحبًا ... إن الكذوب يسير حرًا يصحب
يلقـاك يُقـسم أنه بـك واثـق ... وإذا توارى عنك فهو العقرب
يعطيك من طرف اللسان حلاوة .... ويروغ منك كما يروغ الثعلب
وحتى تتعرف على قيمة الصدق مع الذات والقناعة بما تقول وأثر ذلك على إقناع الآخرين والتأثير في أفكارهم وسلوكهم وعواطفهم، تأمل معي ما صنعه العابد الزاهد، الموقن بمبادئه، والمؤمن بقيمه، والصادق مع نفسه ومع الآخرين، الفضيل بن عياض (رحمه الله تعالى) حينما جاءه أمير المؤمنين هارون الرشيد يريد مخرجاً من الهمِّ الذي هو فيه، فماذا حدث ؟
يقول الفضل بن الربيع: حجَّ أمير المؤمنين هارون الرشيد فقال لي: وَيْحَكَ، قد حكَّ في نفسي شيء، فانظر لي رجلاً أسأله، فقلت: ها هنا سُفيان بن عيينة، فقال: امضِ بنا إليه، فأتيناه، فقرعتُ بابه، فقال: من ذا؟ فقلتُ: أجِبْ أمير المؤمنين، فخرج مسرعًا، فقال: يا أمير المؤمنين، لو أرسلتَ إليَّ أتيتُك، فقال هارون: خذ لما جئتُك له، فحدَّثه ساعةً ثم قال له: عليك دين، قال: نعم، فقال لي: اقضِ دينه.
يقول الفضل بن الربيع فلما خرجنا قال: ما أغنى عني صاحبك شيئًا، قلت: ها هنا عبد الرزاق، قال: امضِ بنا إليه، فأتيناه، فقرعتُ الباب فخرج، وحادثه ساعةً، ثم قال: عليك دينٌ ؟ قال: نعم، قال: أبا عباس، اقضِ دينه.
يقول الفضل بن الربيع: فلما خرجنا قال: ما أغنى عنِّي صاحبك شيئًا، انظر لي رجلاً أسأله، قلت: ها هنا الفضيل بن عياض، قال: امضِ بنا إليه، فأتيناه، فإذا هو قائم يُصلي، يتلو آية يردِّدُها، فقال: اقرع الباب، فقرعتُ، فقال الفضيل:
من هذا؟ قلتُ: أجب أمير المؤمنين، قال: مالي ولأمير المؤمنين؟ قلتُ: سبحان الله، أما عليكَ طاعةٌ، فنـزل، ففتح الباب، ثم ارتقى إلى الغُرفة، فأطفأ السراج، ثم التجأ إلى زاوية.
يقول الفضل بن الربيع: فدخلنا، فجعلنا نجول عليه بأيدينا فسبقت كفُّ هارون قبلي إليه، فقال: يا لها من كفٍّ ما ألينَها إن نجت غدًا من عذاب الله! فقلتُ في نفسي: ليكلمنَّه الليلة بكلام نقيٍّ من قلب تقي، فقال هارون: خذ لما جئناك له، رحمك الله.
فقال الفضيل بن عياض: إن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافةَ دعا سالم بن عبد الله، ومحمد بن كعب، ورجاء بن حيوة، فقال لهم: إني قد ابتُليتُ بهذا البلاء، فأشيروا عليَّ، فعدَّ الخلافة بلاءً، وعددتَها أنت وأصحابُك نعمةً.
فقال له سالم: إن أردت النجاة، فصم الدنيا وليكن إفطارُك منها الموت.
وقال له ابن كعب: إن أردتَ النجاة من عذاب الله، فليكن كبيرُ المسلمين عندك أبًا، وأوسطُهم أخًا، وأصغرهم ولدًا، فوقِّرْ أباك، وأكرِمْ أخاك، وتحنَّنْ على ولدك.
وقال له رجاء: إن أردت النجاة من عذاب الله، فأحبَّ للمسلمين ما تُحبُّ لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ثم مُت إذا شئت. وإني أقـولُ لك هذا، وإني أخـاف عليك أشدَّ الخوف يومًا تزلُّ فيه الأقدام، فهل معك (رحمك الله) من يُشير عليك بمثل هذا.
فبكى هارون الرشيد بكاءً شديدًا حتى غُشي عليه، فقلت – أي الفضل بن الربيع – له: ارفُقْ بأمير المؤمنين، فقال الفضيل: يا ابنَ أمِّ الربيع تقتله أنت وأصحابك وأرفُق به أنا؟ ثم أفاق هارون، فقال للفضيل: زدني رحمك الله.
فقال الفضيل بن عياض: بلغني أن عاملاً لعمر بن عبد العزيز شُكي إليه، فكتب إليه عمر: يا أخي أذكِّرك طولَ سهر أهل النار في النار مع خلود الأبد، وإيَّاك أن يُنْصَرف بك من عند الله، فيكون آخر العهد وانقطاع الرجاء، فلما قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قَدِمَ على عمر، فقال عمر: ما أقدمك؟ قال: خلعتَ قلبي بكتابك، لا أعود إلى ولاية حتى ألقى الله، فبكى هارون بكاءً شديدًا.
ثم قال الفضيل: يا أمير المؤمنين، إن العباس عمَّ النبي (ص) جاء إليه، فقال: أمِّرني، فقال له: ”إن الإمارة حَسْرَةٌ وندامةٌ يوم القيامة، فإن استطعتَ أن لا تكون أميرًا فافعل“، (أخرجه ابن أبي الدنيا معضلاً بغير إسناد، ورواه البيهقي من حديث جابر متصلاً، ومن رواية ابن المنكدر مرسلاً، وقال: هذا هو المحفوظ مرسلاً)، فبكى هارون، وقال: زِدْني.
فقال الفضيل بن عياض: يا حسن الوجه أنت الذي يسألك الله عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقي هذا الوجهَ من النار، فافعل، وإياك أن تُصبح وتمسي وفي قلبك غِشٌ لأحد من رعيتك، فإن النبي (ص) قال: ”مَنْ أصبحَ لهم غاشًّا لم يرحْ رائحةَ الجنة“ (رواه البخاري ومسلم).
فبكى هارون وقال له: عليك دينٌ؟ فقال الفضيل بن عياض: نعم، دينٌ لربي لم يحاسبني عليه، فالويل لي إن سألني، والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن لم أُلهم حجتي.
قال هارون: إنما أعني من دَين العباد، فقال الفضيل: إن ربِّي لم يأمرني بهذا، أمرني أن أصدق وعده، وأطيع أمرَه، فقال عز وجل: ”وما خلقتُ الجن والإنس إلا ليعبدون“ (الذاريات، الآية 56).
قال هارون: هذه ألف دينار خذها، فأنفقها على عيالك، وتقوَّ بها على عبادة ربك، فقال الفضيل: سبحان الله، أنا أدلُّك على طريق النجاة وأنت تُكافئني بمثل هذا، سلَّمك الله ووفَّقك.
قال الفضل بن الربيع: ثم صَمَتَ الفضيل فلم يُكلِّمنا، فخرجنا، فقال هارون: أبا عباس، إذا دللتني فدلني على مثل هذا، هذا سيِّد المسلمين.
فدَخَلَتْ على الفضيل بن عياض امرأة مِن نسائه فقالت: قد ترى ما نحن فيه من الضَّيق، فلو قبلتَ هذا المال، قال: إنما مَثلي ومثلكم كمثلِ قوم لهم بعير يأكلون من كسْبه فلما كَبِرَ نحروه فأكلوا لحمه.
فلما سمع هارون هذا الكلام قال: ندخل فعسى أن يقبل المال، فلما علم الفضيل، خرج فجلس في السطح على باب الغرفة، فجاء هارون فجلس إلى جنبه، فجعل يُكلمه فلا يُجيبه.
يقول الفضل بن الربيع: فبينا نحن كذلك إذ خرجت جارية سوداء، فقالت: يا هذا، قد آذيتَ الشيخ منذ الليلة فانصرفْ، فانصرفنا
منقول (بقلم د. علي الحمادي)
إن سألوك عن شيخك فقل: شيخي رسول الله،وإن سألوك عن جماعتك فقل:هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ :وإن سألوك عن منهجك فقل: الكتاب والسنة بفهم سلف الامة،وإن سألوك عن بيتك فقل: إن بيوت الله في الأرض المساجد






موضوع مهم وجميل..
اختيار موفق
وسلمت يداك