بوح هشام شرابي
مقال لـ حسن مدن،،
دار الخليج،
أتيا إلى بيروت قبل أكثر من خمسين عاماً أحدهما أتى من فلسطين والثاني من سوريا . هناك التقيا، جمعهما يومها الحزب القومي السوري الاجتماعي بقيادة مؤسسه أنطون سعادة، وجمعهما أيضاً أنهما ما لبثا أن تركا هذا الحزب، ذهب أحدهما إلى الشعر، وذهب الثاني إلى الفكر والفلسفة .
الحديث يدور عن الراحل هشام شرابي وعن صديقه الشاعر علي أحمد سعيد “أدونيس” .
مكث أدونيس في بيروت يؤسس فيها المجلات الثقافية ويخوض السجالات الشعرية والأدبية حول القصيدة الجديدة وحول دور الثقافة، حتى عصفت بها الحرب الأهلية فهجرها إلى باريس، فيما رحل هشام شرابي، مبكراً، إلى الولايات المتحدة ليصبح أستاذاً في الجامعة، يدرس الطلبة الفكر السياسي والفلسفة .
قبل رحيل هشام شرابي التقى الصديقان القديمان اللذان بعدت بينهما المسافات، في حوار طويل معمق، يبدو أن الرجلين اتفقا على أن يعد للنشر، امسك فيه أدونيس بناصية السؤال، مستدرجاً صديقه إلى مناطق بوح جديدة .
لم يقتصر هذا البوح على حياة هشام شرابي الشخصية وحدها، وإنما عن رؤاه في قضايا إنسانية شديدة الدقة مثل الحب والصداقة والعلاقات بين البشر، وبينهم وبين الأمكنة، خاصة في زمن فقدان المكان بالنسبة إلى جيل كامل من المثقفين والمبدعين لا من فلسطين وحدها، وإنما من البلدان العربية الأخرى .
هذا الحوار، الذي حضرته الباحثة اللبنانية فهمية شرف الدين، حرر وصدر في كتاب عن دار “بدايات” في سوريا بعنوان: “تأملات في الواقع العربي” . وبدا لي هذا العنوان تقليدياً بعض الشيء، فهو لم يحظ بالشحنة الإنسانية والعاطفية في الكتاب التي كان يلائمها عنوان آخر .
هذه الشحنة سنجدها، على سبيل المثال ليس إلا، في التفريق الذكي الذي يقيمه شرابي بين مفهومي الصداقة والحب، فهذا الأخير قائم على التملك، أما الصداقة فلا تشترط ذلك . لذا فما أن يحس المحب أن محبوبه ليس له تماماً حتى يتخلخل الحب، أما الصداقة فهي أكثر رحابة وأكثر قدرة على البقاء والصمود من الحب لأنها لا تشترط أكثر من التفاهم والاحترام المتبادل والاستقلال .
رغم ذلك فإن شرابي يعترف بأنه عاش من دون أصدقاء بالمعنى الذي حدده، وهو علل ذلك بظروف عمله في أمريكا، وهو عمل يتطلب منه أن يكون وحده بين ست وسبع ساعات يوميا، إضافة إلى ساعات التدريس . وأصدقاؤه الحميمون إما أنهم ماتوا أو تغيروا .