.
العنوان = العتبة
*جريدة الخليج
يوسف أبو لوز:
ينصب الكثير من الكتّاب فخاخهم لاصطياد القارئ عن طريق عنوان الكتاب، والعنوان، كما يقول بعض نقاد الأدب عتبة النصّ أو عتبة إلى النصّ، والنصّ بدوره عندما يصبح ناجزاً ومكتملاً في كتاب، فإن مؤلفه، بحسب رولان بارت يصبح ميتاً، لا الموت الطبيعي البيولوجي، وإنما موت المؤلف بدرجة أو بدرجات من ابتعاده عن تأليفه، بعدما يصبح هذا التأليف من حق القارئ وحده.
سحرتنا العناوين الرومانسية في الخمسينات والستينات.. وقبل ذلك من سنوات كان فيها المؤلف لا يعرف أن العنوان هو عتبة: .. سالت دموع القارئ على الورق وهو يقرأ «تحت ظلال الزيزفون»، ثم خذ عنواناً آخر مثل «ذهب مع الريح» المشحون تماماً بطاقة شعرية، خذ أيضاً تلك الشحنة العاطفية في «دمعة وابتسامة»، ثم خذ عناوين أخرى تالية: «أنف وثلاثة عيون، الوسادة الخالية، ثرثرة فوق النيل، أعلنت عليك الحب، قطة في عرين الأسد، ابتسمي حتى تمر الخيل، أحبك أو لا أحبك، امرأة ترتدي الأخضر دائماً، الحب في زمن الكوليرا، بستان عائشة، خفقة الطين، البومة العمياء، زيارة السيدة السومرية، عيون إلزا.. وإلى آخر القائمة.
عنوان الكتاب رواية أم شعراً أم مسرحاً أو حتى في النقد الأدبي هو فن وصناعة، والباقي على القارئ، فهناك من يصنع عتبة جميلة، ولكن ما إن يفتح الباب وندخل إلى البيت (.. الذي هو النصّ) حتى نكتشف ذلك التناقض بين العتبة والنص، أو بين العنوان والمحتوى. العنوان برّاق لامع وجميل، والنص غثاء وزوائد وإنشاء رغوي مترهّل.
هذه الحالة بالذات، أي «مكياج العنوان»، إن جازت العبارة، هو المقصود به فخاخ الكاتب لاصطياد القارئ، بحيث يبدو العنوان (العتبة) لماعاً فسفورياً، وفي الداخل ليس إلا الظلام.
هل يتدخل الناشر في صناعة العنوان؟ ربما لا، وربما نعم، فعنوان أيضاً جزء من سلعة الناشر: هذا إذا كان يعتبر صناعة كتاب مجرد سلعة، لكن البعض من الكُتّاب يفضل التشاور في شأن العنوان بعيداً عن أي صناعة، وبعيداً عن أي تسليع.. مشاورة صديق مثلاً، مشاورة الابن والابنة والزوجة، الأقربون الأولى بإسداء المعروف وإسداء الرأي. الأقربون أيضاً إلى روح الكاتب، والعنوان= العتبة.. جزء من هذه الروح.
قبل أيام قرأت كتاباً اختار له مؤلفه عنواناً ما.. وبعد فترة عثرت على الكتاب نفسه، ولكن بعنوان آخر. المحتوى نفسه والنصوص نفسها، لكن العتبة تغيّرت. وتغيّرت دار النشر أيضاً في الحالة الثانية، والتي يبدو أنها هي أي الدار قد غيّرت العنوان.
في ماضي تاريخ الكتاب العربي لم يكن المؤلف في حاجة إلى فخاخ، لأنه أصلاً لم يكن في حاجة إلى صيد. كان القارئ هو من يصطاد المؤلف بعتبات قوية ملهمة: ترجمان الأشواق، طوق الحمامة، طبقات الشعراء، كليلة ودمنة، ألف ليلة وليلة، والباقي دائماً عند القارئ الذي لا يموت مثل المؤلف.