.
طيور دافنشي
*جريدة الخليج
يوسف أبو لوز:
يحب القارئ ما كتبه ليوناردو دافنشي، ترجمة: أمارجي، عن شيئين: الورقة، والمرآة: «لمّا رأت الورقة نفسها مبقّعة بالكامل بالسّواد المعتم للحبر، راحت تبث الحبر ألمها العميق، وكان هو، أي الحبر، يوضّح لها، للورقة، أن الكلمات المصفوفة عليها هي سبب بقائها».
لا قيمة للورقة من دون الكلمات المكتوبة عليها، وإذا رأيت ورقة بيضاء لا كتابة عليها وقد طوّحها الهواء وألقى بها بالقرب منك، فإنك لا تلتقطها، بل تلتقط الورقة المكتوبة، وعندئذ تشكر الهواء على قصيدة حطّت بالقرب منك.
هل كان دافنشي، ومن بعيد، يومئ بشكوى الورقة من الحبر إلى «المخطوطة» التي تكتسب قيمة أكبر كلما مرّت عليها الأزمنة، فأصبحت كنزاً، وأصبحت لوحة، وأصبحت وثيقة، وكل ذلك ليس بفضل الورقة، بل بفضل الحبر.
ولكن، ماذا كتب صاحب «الموناليزا» عن المرايا؟ اقرأ وتمعّن «تنتفخُ المرآةُ غطرسةً إذْ تحتوي الملكةَ التي تتمرأى فيها، فإذا الملكة غادرت، عادت المرآة إلى ما كانت عليه».
تشبه المرآة هنا تلك المرأة التي تتباهى بشعر جارتها، وأسوأ من ذلك هذا الغرور الذي تحمله المرايا، مرايا الطغاة أكثر من غيرهم، وإذْ يرى الطاغية صورته في المرآة، تنتفخ هذه تماماً كما انتفخت مرآة الملكة، ولكن ما إن يضع الطاغية قبّعته على رأسه، ويحمل عصاه ويخرج، حتى تحتوي المرآة صورة أخرى تماماً. صورة ظل الرجل المنتفخ هو الآخر بالشرّ الوراثي الموجود في كيانه.
ليوناردو دافنشي رسّام، وفلكي، ومخترع، ومصمم ومهندس، وشاعر، وناثر، ولم يكن سياسياً في يوم من الأيام، لكن تقبع تحت قماشة أعماله الأدبية سخرية مرّة من أولئك الذين لا يحترمون كرامة الإنسان، وروحه المحلّقة المبدعة.
ولكن ماذا كتب دافنشي عن طائر الحِدأة، وبالمناسبة هي بكسر الحاء ونطقها وكتابتها سوى ذلك خطأ. يقول: «مما يُقرأ عن الحِدأة أنها عندما ترى فراخها قد بلغوا حجماً كبيراً في العش، فإنها تنقر ضلوعهم حسداً، وتتركهم من دون طعام»، أما الغراب فيحزن عندما يرى فراخه قد ولدت بريش أبيض، والديك يغتبط بكل شيء صغير، والحمام رمزٌ للنكران، ذلك أنه عندما يبلغ عمراً لا يعود فيه بحاجة إلى من يطعمه، يبدأ بالاقتتال مع أبيه».
ماذا تقرأ من خلال مدوّنة الطير هذه التي كان صاحب «العشاء الأخير» يلتقط مفرداتها من قراءاته، وتأمّلاته ومخيّلته؟ إنه إضافة إلى ما هو عليه كان فيلسوفاً أيضاً، ودائماً برمزيات صغيرة، وشذرات فكرية لامعة، وخرافات أشبه بالحقائق.