النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: ذاكرة نسيان

  1. #1
    مراقب عام المنتدى
    تاريخ التسجيل
    28 - 9 - 2008
    الدولة
    الإمارات-رأس الخيمة- الرمس
    المشاركات
    12,676
    معدل تقييم المستوى
    383

    ذاكرة نسيان

     

    .









    ذاكرة نسيان





    *جريدة الخليج





    يوسف أبو لوز:


    نصف الكتابة ذاكرة، والنصف الآخر نسيان. أما الذاكرة، فتلك المنطقة الصغيرة الملمومة على أشياء الطفولة ومشاهدها وتفاصيلها. وكل طفولة مشعة بالأشياء والمشاهدات هي أرض خصبة للكتابة. من هناك تبدأ الأبجدية، ومن تلك السنوات الأولى البكر يبزغ قمر اللغة، وتندفع مياه الكلمات، إذ هناك، في تلك الأرض البيضاء النظيفة، توجد قاعدة الكاتب وتوجد جذوره.


    في تلك الأرض يكمن سر الإبداع، السر المحفوظ في صندوق أسود، والمدفون في أخدود الطفولة، ومن هذا الصندوق يغرف المبدع كنوزه وجواهره التي هي دائماً في صورة أسرار لا يفصح عنها إلّا لحظة تدوينها أو كتابتها.


    وكأنما بعض الطفولات تهيئ صاحبها سلفاً، وتنذره مبكراً ليكون ممارساً نشطاً في شكل من أشكال الفن. وكأنما، أيضاً، لكل جغرافيا طفولتها التي تنتج فنها الخاص وقدرها الإبداعي الذي قدرت له.


    وإذا تأملنا المكان الأول الذي تقع فيه طفولة مبدع من المبدعين فإنه يمكننا استنتاج علاقات منطقية في هذا السياق، فربما أن طفولة الصحراء تنتج شعراء، وطفولة الجبال تنتج رؤية، وطفولة المدن تنتج موسيقى، وطفولة السهول تنتج تصويراً، وطفولة الغابات تنتج رقصاً. وقد تتداخل هذه الطفولات وتتقاطع في طبيعة إنتاجها للفنون، كما قد تحدث بعض الاختلافات في النتاج الإبداعي من مكان إلى آخر، كأن تطلع الرواية من طفولة بحرية، وكأن يأتي الشعر من طفولة الغابة. وهكذا على هذا النحو من الاختلافات، لكن وفي كل الأحوال تبقى العلاقة قائمة ومنظورة بين مكان الطفل والإبداع الذي ينتجه عندما يصبح كبيراً.


    هناك، بين أسيجة الحياة في عمرها القليل تستعد الذاكرة لخلق كائن مختلف في ابتهاجاته وتشوقاته وقلقه، وسيظل هذا الكائن الخلاق المبدع مختلفاً مدى الحياة، وسيقبض على جمرة اختلافه طالما ظل قابضاً على إشعاع طفولته.


    وكل طفولة لا تشع، فهي بالضرورة لن تجعل من صاحبها (الطفل أو الكبير) فناناً مبدعاً، ذلك لأنها في هذه الحال طفولة عمياء، ضبابية، مخبأة، وفاقدة للذاكرة.


    ولا يفقد الإنسان ذاكرته في الكبر ولا يفقدها جراء صدمة أو حادث مباغت، بل تفقد الذاكرة في الطفولة إذا كانت هذه الطفولة بلا أسباب الخيال، وإذا كانت طفولة ضحلة وخاوية.


    إن الكتابة هي فعل استرجاعات متتالية على شكل دوائر أو موجات عالية الشفافية بحيث يمكن رؤية المشهد الأول الواقع في الطفولة كمشهد مفتوح على الحياة برمتها، وفي إطار هذا المشهد ينشأ الخيال وتتكون بالتدريج أبجدية منذورة للفن على صورة قربان أبدي يسيل دمه في شعاب الأرض. وما قطرات هذا الدم سوى الأثر المتتالي أبداً والذي يمتد طويلاً على شكل سيرة أو «رواية» يرويها المبدع الفنان (المؤلف) حتى آخر لحظة في حياته، وعندما يموت أو يتوقف يتولى الروي مؤلفون آخرون وهكذا إلى ما لا نهاية.


    الكاتب يأكل من دماغه أو يعيش على ذاكرته على اعتبار أن الذاكرة هي قمح الطفولة وماؤها العذب والصافي. أما النسيان فهو ظلال الذاكرة.







    التعديل الأخير تم بواسطة مختفي ; 15 - 10 - 2019 الساعة 11:37 PM
    ..

    ..




ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •