صقر.. رؤية وطنية لتوحيد الصفوف وترسيخ الاتحاد









رأس الخيمة: «الخليج»

استقراء سيرة وحياة المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ صقر بن محمد القاسمي الذي حكم إمارة رأس الخيمة 62 عاماً، من 1948 حتى 2010 م، وهو آخر شيوخ الإمارات المؤسسين رحيلاً إلى الدار الآخرة، يقود إلى تحديد دعائم ثلاث لرؤيته في الحكم، وفلسفته في القيادة، وفكره في إدارة شؤون الإمارة وأبنائها، أولها توحيد البلاد والعباد ورص الصفوف ولم الشمل وجمع الكلمة، الأمر الذي تجلى في توحيده قبائل رأس الخيمة، إبان عهده الأول في الحكم، ثم تعزيز اتحاد الإمارات وترسيخه ودعم مؤسسات الدولة، وصولاً إلى بناء واحدة من أكثر دول العالم تقدماً ورقياً، وهو ما قاده المغفور لهما، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، وإخوانهما، شيوخ الإمارات المؤسسين، رحمهم الله جميعاً، فيما يشكل دعم التعليم وتحفيزه والاهتمام به، ومتابعته يومياً وميدانياً، الدعامة الثالثة في منظومة الفكر القيادي ل «صقر القواسم».
في الذكرى السنوية التاسعة لرحيل الشيخ صقر بن محمد القاسمي، الذي رأى النور عام 1920 م، تحافظ «الخليج» على عهدها في إلقاء الضوء على سيرة الحاكم والقائد والإنسان، ضمن تقليدها السنوي، وفي إطار سياستها، القائمة على الوفاء للقيادات والرموز الوطنية، ومنهم مؤسس رأس الخيمة الحديثة، وهو آخر شيوخ الإمارات المؤسسين، من بناة الدولة والاتحاد، الذين فارقوا الحياة جميعاً.


نبض عربي
رفاق درب الشيخ صقر ومعاصروه ورجالات الرعيل الأول في رأس الخيمة يؤكدون أن القائد الوطني حمل «العروبة» نبضاً وروحاً يسريان في جسده، عشق جزيرتها العربية عشقاً يعرفه المقربون، وكان شديد الاعتزاز والفخر بعروبته، بجانب انتمائه الراسخ للإسلام ديناً وعقيدة، وكانت الإمارات قرة عينيه، فيما تستقر رأس الخيمة في سويداء قلبه، تملأ عليه الدنيا، ينام ويصحو على مستقبلها وأحلامها وهمومها وتطلعات وآمال أبنائها.
يشكل المغفور له الشيخ صقر بن محمد القاسمي الذي حكم رأس الخيمة منذ يوليو /‏‏ تموز 1948، حتى أكتوبر /‏‏ تشرين الأول 2010 م، أحد بناة الاتحاد، بجانب المغفور لهما، بإذن الله، تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وأخيه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، وبقية شيوخ الإمارات المؤسسين، وكان صقر عضواً فاعلاً في المجلس الأعلى للاتحاد، وبانياً ومخططاً وداعماً أول في إنجازات رأس الخيمة وأحداثها وتحولاتها التاريخية.


خط أحمر

ظهر «البعد العربي» جلياً في فكر الشيخ صقر وسيرته الشخصية، وكان الحاكم التاريخي لرأس الخيمة، طيب الله ثراه، يحب كل ما هو عربي، ويرى أن الخلافات العربية - العربية خط أحمر، لا يجوز السماح بها، ويجب الحيلولة دون استفحالها، وحلها داخل البيت العربي الواحد، حفاظاً على تماسك بنيانه ووحدته.
وفي الملف القومي أيضاً، كان القائد الوطني الراحل يلح، في محور «الخلافات العربية - العربية»، على عدم جواز اعتداء أي دولة عربية على دولة عربية شقيقة، مهما كان الخلاف وأسباب النزاع، ووجوب أن تحل الخلافات في نطاق البيت العربي، وهو الأمر الذي تجلى في حياة الشيخ صقر خلال أزمة احتلال العراق للكويت عام 1990 م، التي أحزنته كثيراً، وكان يخشى بشدة ويحذر من عواقب ذلك الاحتلال.


جزيرة العرب

وفي إطار «الرؤية العربية» اعتز الشيخ صقر اعتزازاً شديداً بعروبته وانتمائه العربي، بينما كان ل «الجزيرة العربية» في قلبه مكانة خاصة وحب متجذر، بامتدادها الجنوبي، وصولاً إلى (اليمن)، وامتدادها المقابل، شمالاً، نحو (بلاد الشام)، بجانب مصر.
أما «التعليم»، فقد شغل في فكر وحياة الشيخ صقر، رحمه الله، مساحة واسعة ودوراً كبيراً، لإيمانه الراسخ بأهميته وقيمته العالية وفاعليته في مسيرة التطوير والتحديث والبناء والتنمية المتكاملة، فيما بقي (الإنسان أولاً) في مشروعه التنموي النهضوي، ليرتبط بناء الوطن ورقيه وعمارة الأرض ببناء الإنسان في عقله وعلمه وثقافته ومهاراته.
الفكر القيادي للشيخ صقر استند إلى تحقيق التنمية عبر بوابة «التعليم»، الذي كان يرى أنه (منطلق التنمية)، وهو ما دفعه إلى تحفيز أبناء رأس الخيمة على الدراسة وطلب العلم، ويمكن تصنيف ذلك بعداً محورياً في فلسفة الحكم والقيادة لدى «صقر القواسم»، وهو ما لا يفارق ذاكرة رأس الخيمة وأبنائها، الذين يؤكدون أن «الشيخ» كان يتابع شخصياً حالات الغياب والحضور بين الطلبة في المدارس، ويزور المدارس دورياً، ويستدعي أولياء الأمور، للوقوف على التزام أبنائهم بالدراسة.


إلزامية التعليم

وبحسب معاصرين من رجالات الرعيل الأول في رأس الخيمة، حرص الشيخ صقر على تطبيق «إلزامية التعليم» على أبناء الإمارة.
ما قبل «الاتحاد»
ويعد الشيخ صقر مساهماً رئيسياً في بناء الاتحاد، مع إخوانه من شيوخ الإمارات المؤسسين، واضطلع بدور مشهود في عهد «إمارات الساحل» ما قبل قيام الاتحاد والدولة، حين تولى منصب رئيس مجلس حكام إمارات الساحل عام 1965م، وبقي في منصبه حتى نشأة دولة الاتحاد عام 1971، عمل خلال الأعوام الستة على تعزيز عوامل بناء الاتحاد وتقوية أركانه، إيماناً بقيمة الاتحاد وأهميته وبالوحدة الطبيعية والاجتماعية والوطنية والتاريخية بين الإمارات السبع.
وعمل على ترسيخ التراث الوطني والشعبي في الواقع الاجتماعي، وتوثيق صلة الأجيال بماضيها وتاريخ أجدادها، وصون العمق التاريخي الحضاري لأبناء رأس الخيمة تحديداً والإمارات عموماً، وتجذير الموروث الشعبي الوطني في حياة الأجيال ووعيها، وتعزيز قيم أبناء الإمارات في السلوك والوعي الجماعي لأبناء الوطن.


من «الحصن» القديم إلى العالم

ولد الشيخ صقر في حصن الحاكم في رأس الخيمة القديمة عام 1920م، وهو الذي يعرف اليوم بالحصن، وتحول لاحقاً إلى متحف رأس الخيمة الوطني.
ويعود نسبه إلى الشيخ رحمة بن مطر بن كايد، مؤسس حكم القواسم بعد انهيار دولة اليعاربة.
درس في طفولته على يد المطوعة فاطمة زوجة حمد الرجباني، المعروف باسم «المغربي»، وكان أشهر القضاة والعلماء في رأس الخيمة.
وتلقى مبادئ العلوم على أيدي معلمين أحضرهم الحاكم، حينها، من نجد، لتدريس أفراد العائلة الحاكمة. وفي أوائل ثلاثينات القرن الماضي درس في إحدى المدارس، التي أقيمت في بيت «سليمة بنت سلطان»، وكان يبلغ عدد الطلبة نحو ٣٠ طالباً.


رحلة قائد

انتخب الشيخ صقر، رحمه الله، عام 1965، قبل قيام الاتحاد ب 6 سنوات، رئيساً لمجلس الحكام، الذي ضم إمارات الساحل، وفق التسمية المتداولة أيامها، واستطاع خلال ترؤسه للمجلس تحقيق إنجازات اقتصادية واجتماعية، وبقي في منصبه حتى قيام الاتحاد بداية سبعينات القرن الماضي، برئاسة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان. وانضمت رأس الخيمة إلى الاتحاد في العاشر من فبراير 1972، ليصبح الشيخ صقر عضواً في المجلس الأعلى للاتحاد.