.
الطبيب الأديب
*جريدة الخليج
د. حسن مدن:
كثير هو الثناء الذي قاله النقاد والقراء بطبقاتهم المختلفة عن قصص يوسف إدريس. ثناء في محله لمبدع يستحقه. ومن شدّة إعجاب البعض بكتابة إدريس أطلقوا عليه وصف «تشيخوف مصر»، وهو وصف لم يطقه يوسف إدريس، ليس لأنه لا يحب أدب تشيخوف، ولكن لأنه يحبه كما يحب أدب مبدعين آخرين. إنه يوسف إدريس وليس تشيخوف ولا سواه من الأدباء، مهما كان أدبهم عظيماً، فهو يكتب عن مصر القرن العشرين الذي عاش فيه، لا عن روسيا القرن التاسع عشر حيث عاش تشيخوف.
شخوص قصص إدريس مستوحاة أو مستلهمة من بيئة مصر، من ناسها، ومن تفاصيل الحياة فيها. هو نسيج ذاته، هو يوسف إدريس فحسب، الطبيب الذي أيقن أن الله خلقه ليكون أديباً.
بين الثناء الكثير الذي استحقه يوسف إدريس تستوقفنا شهادة كتبها عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، وحواها كتاب كرّست لأدب الرجل مادته، وهي عبارة عن مجموعة شهادات نقدية كتبها عمالقة الأدب والنقد في مصر، سأكتفي بذكر أسماء بعضهم لضيق المساحة، مثل لويس عوض، محمد مندور، علي الراعي، عبدالقادر القط، صلاح عبدالصبور، رجاء النقّاش، شكري عيّاد، محمود أمين العالم، عبدالفتاح الجمل وغيرهم الكثير.
تصدّرت شهادة طه حسين الكتاب، التي استهلها بتسليط الضوء على جمع إدريس بين الطب والأدب. قال إنها ليست حالة فريدة في الأدب بمصر، وأعطى أمثلة بينها إبراهيم ناجي الذي جمع بين براعة الشعر والطب، وبينها أيضاً الدكتور محمد كامل حسين الذي أخرج كتباً «تجمع بين الروعة والمتعة» حسب وصف طه حسين.
لكن ماذا أخذ يوسف إدريس من الطب إلى الأدب؟ ما من فنٍّ في العلوم أجدر بأن يفقه الناس بالحياة ومشكلاتها أكثر من الطب، برأي العميد، فالطبيب، برأيه، يخالط الإنسان مخالطة لا تتاح لغيره من أصحاب العلم. يخالطه سليماً ويخالطه مريضاً، وعن هذه المخالطة يمكن أن يظهر رجال ونساء ينتهي بهم الأمر «إلى الفلسفة العليا أو إلى الأدب الرفيع الذي يحسن فيه الانسجام بين الحس الدقيق والشعور الرقيق والذوق المرهف والعقل المفكر».
قال طه حسين أشياء أخرى كثيرة عن يوسف إدريس وأدبه، بينها أنه لم يرَ «تصويراً لشارع تختلط فيه جماعات الناس على تباين أشكالهم وأعمالهم وألوان نشاطهم» كما رآها عند الكاتب.
شيء آخر في أدب إدريس لفت طه حسين هو رفقه باللغة العربية الفصحى، وبسطه لسلطانها على نفسه، فهو مفصح إذا قصّ، واذا أنطق أشخاصه أنطقهم بعفوية العامية وتلقائيتها.