"نبش القبور" تراوح بين الأنا والضمير
في قصر الثقافة عرض “نبش القبور” تأليف وإخراج سالم العيان، وبطولة سعيد بتيجا، وأداء كل من عبد الرحمن الكاس، وأحمد شاهين، ومريم الكعبي، ونبيل يوسف الشميلي، وفهد الشحي، وربيع سالم الجربي، وأيمن عبد الله، ويحيى الشحي، وشيخة الكعبي، ووليد التميمي، واستغرق العرض ما يقارب الساعة .
اتخذت المسرحية منحى الرمز في طرح الفكرة الأساسية التي ينهض عليها العمل، والمتمثلة بالصراع بين الأنا والضمير، حيث تبدو الحاجة الملحة للضمير في ملاحقة سقطات الأنا الاجتماعية، وخاصة تلك المتعلقة بالمكاسب المادية، وازدواجية الشخصية في التعامل مع الآخرين لتحقيق المصالح، وفي هذا المنحى الرمزي يشير العرض إلى حاجة نبش مكنونات الإنسان من أجل تجاوز الموت المجازي، والمعبر عنه بالرياء والنفاق إلى حالة روحية أرقى في علاقة الإنسان بذاته وبالآخرين .
اعتمد المخرج على الممثل الواحد الذي يتمحور حوله العرض، بينما تبدو الشخصيات الأخرى خارجة من رأس الشخصية وأتت تلك الشخصيات على شكل مجموعتين ترتدي إحداهما اللباس الأسود، والثانية الأبيض، من دون أن تتخذ كل منهما أية مدلولات خاصة، ما أوقع العرض في حالة ارتباك، خاصة أن الرمزية التي اتخذها العرض تحولت في الكثير من المواقف إلى حالة من التجريد والغموض .
أما بالنسبة إلى فضاء العرض/ المقبرة، فقد عانى هو الآخر من غياب الإيحاء القوي والمهيب للمكان فضاعت هويته بين الرمزية والواقعية، ولم يتم توظيف المكان وفقا لمقولة العرض التي تنهض على فكرة “نبش القبور”، كما أدى استخدام خيال الظل في مواقف كثيرة إلى انقطاع في صيرورة الأداء وتحوله من حالة إلى أخرى من دون وجود روابط منطقية في السياق العام للعرض .
أما الأداء العام للممثلين فقد أظهر طاقات حركية وأدائية لدى كل واحد منهم، لكن غياب التصميم الحركي أدى إلى التقليل من جماليات ذلك الأداء .
أما في متن الحكاية الرئيسة والقائمة على فكرة تجريد الواقع وتحويله من حالة متماسكة كما يبدو ظاهريا إلى مجموعة من الحالات إلى الحكايات فقد أدى إلى نوع من ضياع الروابط العضوية بين تلك الحالات، وهو ما أدخل العرض في خانة التجريب، حيث بدا واضحاً أن العمل لم ينهض على نص منجز، وإنما على فكرة عرض، وإن كان هذا الأمر مشروعا في المسرح، إلا أنه حالة لها مواصفاتها، وشرطيتها، وهو أمر متبع في الأعمال القائمة على الورش حيث يمضي التأليف والإخراج في خطين متوازيين حتى لحظة اكتمال الشكل النهائي للعرض، وهو ما لا يمكن توصيف العرض به، فقد كانت الفروقات ظاهرة للعيان بين منحى النص ومنحى الإخراج .
أما ما يحسب في كفة العمل الراجحة هو الرغبة في خلط مجموعة من المدارس الإخراجية في بوتقة واحدة، فقد قدم المخرج الأداء الحركي إلى جانب الإيهام من خلال استخدام خيال الظل، كما قدم الواقعية في بعض الحوارات، وكل تلك الاتجاهات الإخراجية تنم عن جرأة واضحة في ارتياد أماكن جديدة تشكل محاولة للخروج عن المألوف، وإن لم يحالفها الحظ، فهي تطرح جرأة الشباب على تغييب الكثير من الحسابات الواقعية لمصلحة الحماسة في العمل المسرحي .