.
الورقة والكاتب
*جريدة الخليج
يوسف أبو لوز:
أحياناً، يهرب بعض الكتّاب من حالة «اللاكتابة» إلى الكتابة عن الكتابة، فإذ به فيما يشبه المتاهة، ولكنها المتاهة الجميلة، أو الضياع الجميل، وما من مرة لكاتب محترف أن يجلس صامتاً أمام الورقة البيضاء. اليوم أمام الشاشة البيضاء التي لا يحبها الكثير من الكتّاب حتى على الرغم من سلطة الكمبيوتر ونفوذه المادي البارد.
تبقى الورقة هي خريطة طريق الكاتب، هي مرآته، وقدره وأحياناً، وطنه.. والورقة مع كل ذلك قد تكون سبب شقائه.
يتحدث محمد الفيتوري قبل سنوات طويلة عن عجزه أمام الورقة البيضاء، تلك اللحظة الشرسة أو حالة «اللاكتابة» عندما توقف فترة طويلة عن كتابة الشعر. ذلك العجز الذي قد يشبه العجز الجسدي، أو البيولوجي حين تجف ينابيع الشاعر وحوله الكثير من الماء.. إلا ماء الكتابة.
في المقابل، يمر في مثل هذه الحالة التي يصح أن تسمى الانسحاب الكلي من الورقة، شعراء لا يعترفون بهذا العجز، ولا يصرحون به، ومن دون ذكر أسماء.. في مشهدنا الشعري نماذج يمكن أن يشار إليها بواقعية جارحة. ومع ذلك تكابر هذه النماذج، وتعيش على ذاكرة قديمة صنعها القليل من القصائد.. والتي تجاوزها الزمن اليوم.
العجز أمام الورقة البيضاء، شعرياً، هو أيضاً حالة وجودية، نفسية، اجتماعية وثقافية، حالة مركبة، إذا عاينها الكاتب أو الشاعر بينه وبين نفسه، يمكن له أن ينتصر على عجزه، وينهض، حتى من رماده، إذا اعتبرناه طائر فينيق يحترق في محنته تلك، ويحول ذاته إلى أسطورة.
لماذا يعجز الشاعر عن كتابة قصيدة، يحقق فيها ذاته المبدعة ويقنعها، يقنع ذاته، بأنه ما زال على قيد الكتابة؟..
الكاتب الحقيقي كائن منظم.. كائن منظم أولاً من داخله تبعاً لتربيته، وتبعاً لينابيع ثقافته.
كيف تجف هذه الينابيع ولماذا؟.. تجف عندما يتوقف الكاتب قبل وبعد أي شيء عن القراءة، ولكن أي قراءة؟.. هل هي قراءة عشوائية منفلتة من نظامها الإبداعي والثقافي؟.. أم إنها القراءة الانتقائية، القراءة الإلهامية. القراءة التي تحوّل الورق الأبيض إلى حقول، وتحول العجز إلى أعجوبة، ونهوض من الرماد.
ما من كاتب يتموضع، أو، يموضع ذاته في محنة العجز إلا وقد كان قبل ذلك قد موضع ذاته خارج القراءة.. بل، خارج القراءات التي تنفض عنه الغبار، وتعيده إلى طفولته وإرادته، وقوته الداخلية. قوة الأدب العظيم، والفكر الإنساني العبقري.
الكتابة شباب، و«اللاكتابة» شيخوخة، وبينهما، دائماً، الإنسان المنتصر على العجز.