.











“دون كيخوت” لم يمت





*جريدة الخليج





حسن مدن:


لم يكن الكاتب الاسباني سرفانتس في روايته التي دخلت في عداد كنوز الأدب الروائي الكلاسيكي: دون كيخوت يرمي إلى تمجيد بطله. كان هدف سرفانتس الذي عاش بين القرنين السادس عشر والسابع عشر هو هجاء مفهوم الفروسية الذي بدأ يتهاوى مع تزعزع مكانة الإقطاع وبواكير صعود البرجوازية الأوروبية.


إن دون كيخوت أضحى بطلاً أثيراً من أولئك الذين نحبهم في الأدب، شأنه في ذلك شأن هاملت شكسبير وفاوست غوته وسواهما.


لذا فإنه جرى وراء هذا الحلم، الذي هو إلى السراب أقرب منه إلى الحقيقة، فارتدى لباس الفرسان واصطحب معه مرافقه إلى حيث المجهول والمغامرة راغبا في استعادة حياة الفروسية التي طالما قرأ عنها في بطون الكتب التي استهوته.


لم ينسَ سرفانتس أن يرسم ملامح بطله الإنسانية: حالم وخجول ومولع بالفروسية، روحهُ تنم عن الرحمة والإخاء، وتشيع فيها روح دينية متحفظة، ولم يكن يدرك وهو يغرق في الحلم انه كان يخدع نفسه، ولكنه كلما اصطدم بالوقائع أدرك ذلك بالتدريج.


ولم يكن أمراً غير ذي مغزى أن سرفانتس اخترع شخصية مرافقه شانسو، الفلاح الذي عركته الحياة. كان مخزوناً من الحكم والأمثال الشعبية والمعرفة الفطرية الذكية بتعقيدات الحياة، وكان يُزجي النصح لفارسه طوال تلك الرحلة الشاقة، لكن نصائحه كانت تُقابل بالصمت، لا بل بالازدراء من قبل الفارس الذي أراد أن يصمم العالم على هواه.


كم من دون كيخوت حولنا؟ كم من دون كيخوت في هذا العالم الذي يتحول إلى صورة أخرى غير الصورة التي نشأوا عليها أو تلك التي شكلوها من الذي قرؤوه، كم من دون كيخوت يغرق في الحلم، ويذهب مع هذا الحلم الى ما يشبه الجنون الذي يجعله يتصور الجيوش طواحين هواء في قراءة معكوسة لدور بطل سرفانتس.


والدون كيخوتية المعاصرة مُستقاةٌ من واقع مليء بالعسف والمظالم والخلو من الرحمة، لذا فإنها قادرة على استثارة العواطف إزاء دعوتها لفروسية جديدة بوجه ترسانة حرب لا قبل للفروسية على مواجهتها، لكن الدون كيخوتية بكل ما عرف عنها من اعتداد لا تسلم بأن وسائلها أعجز من أن تحقق أمانيها.


لكن يظل أن لكل زمن دون كيخوته الخاص به. دون كيخوت لم يمت. دون كيخوت لا يموت.