.
هل الكتاب وسيط؟
*جريدة الخليج
د. حسن مدن:
هل نقرأ الكتب لكي نعرف أصحابها، نعني مؤلفيها، أم لنتزود بما فيها من علم وفكر، وما تمنحه إيانا من معرفة؟.
صاحب «الأرض اليباب»، ديوان الشعر ذائع الصيت، والحائز «نوبل للآداب، الشاعر والمسرحي، والناقد أيضاً، ت. س.إليوت (1888 - 1948) يميل للاحتمال الأول، فالكتاب الذين أتيح لنا حظّ معرفتهم هم، برأيه، أصحاب الكتب التي يمكننا تجاهلها، وعلى قدر معرفتنا الشخصية بهم يقلّ شعورنا بالحاجة إلى قراءة كتبهم.
أعتقد أن الكثيرين لا يرون رأي إليوت، ولعلي واحد منهم، فالأمر لا يتصل بمعرفتنا بالكاتب أو عدم معرفته، فليس كل الكتّاب الذين نعرفهم سواء. إن كان لمعرفتنا للكاتب من فضل هنا، فهي آتية من أن هذه المعرفة تسمح لنا بأن نقدّر ما إذا كانت كتبه جديرة بأن تقرأ فعلاً، لأن واضعها على قدر من الموهبة والذكاء والعمق، أو يمكننا إرجاء قراءتها أو حتى عدم قراءتها أصلاً لأننا لا نتوقع أنها ستكون كتباً مهمة أو مفيدة أو ممتعة.
منطلق إليوت في حكمه هذا هو أننا نقرأ كتباً كثيرة، لأننا لا نستطيع أن نعرف عدداً كافياً من الناس، فنحن لا نستطيع معرفة كل من تفيدنا معرفته، لأن عددهم كبير جداً، لذا فإننا نعرفهم من خلال كتبهم، كأن الكتب هنا ليست أكثر من وسيط بيننا وبين الكاتب الذي لم تتح لنا الحياة معرفته.
وفي هذا القول الكثير من التبسيط والإرباك. كيف لقارئ عربي أن يعرف، شخصياً وجهاً لوجه، كاتباً من فرنسا أو السويد أو الصين أو من أقاصي سيبريا بروسيا؟ ليس المكان وحده هو المعيار، وإنما الزمان أيضاً، فكيف لشاب قارئ من أبناء القرن الحادي والعشرين أن يلتقي بأديب عاش ومات في القرن الثامن عشر أو القرن التاسع عشر؟.
حسناً، لدينا جميعاً كقراء، فضول لمعرفة تفاصيل كثيرة عن الكاتب، حياته وطفولته ووالديه وعلاقاته العاطفية وما إلى ذلك، لكن ليس كل هذه الأمور تصلنا حين نقرأ له رواية أو كتاباً في الفلسفة أو التاريخ. نحن نقرأ كتبه من أجل المعرفة المجردة، لا من أجل معرفة شخص الكاتب أو الدقيق من تفاصيل حياته.
شكا إليوت أيضاً في كتابه: «ملاحظات نحو تعريف الثقافة» من شيء آخر هو كثرة الكتب والدوريات التي تنهال علينا. قال إن حرصنا على متابعتها قد تؤدي بنا إلى التفريط بأهم ثلاثة أهداف للقراءة، حددها هو في التالي: اكتساب الحكمة، الاستمتاع بالفن، لذة التسلية.