.
لماذا نقرأ كتاباً مرّتين؟
*جريدة الخليج
يوسف أبو لوز:
لماذا تعيد قراءة كتاب أكثر من مرّة؟ قد يعود ذلك إلى أن الكتاب على درجة كبيرة من الأهمية العلمية أو الأدبية أو الثقافية عموماً، وربما لأن قراءتك الأولى كانت سريعة ويحتاج الكتاب إلى قراءة تذوّقية بطيئة، وربما لأن بعض الكتب لا تعطيك ما فيها كلّه من قراءة واحدة، وربما لأن طبيعة القراءة نفسها تشبه طبيعة البشر، فنحن نكبر، وننضج، ونمتلك الخبرة والتجربة، وكذلك القراءة هي نموّ ونضج ومجموعة تجارب وخبرات مركزها الكتاب.
قبل سنوات طرحت سؤالاً واحداً على عدد من الكتّاب العرب في تحقيق صحفي هو «ما الكتاب الذي قرأته أكثر من مرّة؟ ولماذا؟»، وفي كل مرّة كنت أوجه فيها هذا السؤال إلى كاتب: شاعر أو روائي، كنت ألاحظ بريقاً خاصّاً في عينيه، وثمة لغة خاصّة أيضاً في ملامح وجهه. أإلى هذا الحدّ تسكننا الكتب، أم أننا نحن القرّاء نسكن في الكتب كما نسكن في بيوتنا، والكتب بيوت من ورق؟
أغلبية تلك الإجابات كانت تدور حول روايات، وأذكر أن الشاعر السوري نزيه أبو عفش قال إنه أعاد قراءة رواية «أرض البشر» أكثر من مرّة، وهي للكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، صاحب رواية عذبة أخرى أيضاً هي «الأمير الصغير»، وتقوم رواية «أرض البشر» على خبرة المؤلف في الطيران، فهو طيار وقد نجا بأعجوبة بعد تحطّم طائرته في إحدى رحلاته فوق الصحراء، وبذلك، فهي رواية سيرة ذاتية.
نميل دائماً إلى قراءة روايات السيرة، والمذكرات، واليوميات، ونميل أيضاً إلى قراءة أدب الاعترافات، وأدب الرحلات، ويميل الكثير من القرّاء إلى الروايات التي يتحدث أبطالها بضمير المتكلم، كأن بطل الرواية يحكي سيرته، أو يعترف أو يبوح، كما هو الحال مثلاً في رواية «ليلة لشبونة» للكاتب الألماني أريش ماريا ريمارك التي قرأتها مرّتين، ورواية «العطر» للكاتب باتريك سوزكيند، وهو ألماني أيضاً، وقرأت روايته المرعبة هذه مرّتين.
أحياناً، نرى صور أنفسنا في أبطال بعض الروايات. البطل العاشق، أو البطل الحالم، أو البطل المخدوع، أو البطل الشاعر، وهكذا، يبحث، أحياناً، كلٌّ منّا عن صورته في الرواية، لكن بالتأكيد ما من أحد يبحث عن القاتل المرعب «غرونوي» في رواية «العطر» ليسقط هذه الشخصية على نفسه.
ولكن، ماذا عن الحنين؟ ألا يكون حنينك إلى كتاب بعينه هو دافعك العاطفي إلى قراءته أكثر من مرّة؟ نعم، وإذ أنت الآن على سبيل المثال تعيد قراءة جبران خليل جبران في «دمعة وابتسامة»، فلأن تلك الدمعة وتلك الابتسامة إنما كانتا في صباك أو في أوّل شبابك، بل لعلّك قرأت هذا الكتاب مرّتين، في المرة الأولى لأنك تحب من الأسماء ما وافق اسمها وشابهه أو كان منه دانياً، وفي المرة الثانية، لأنك خسرت هذا الاسم إلى الأبد.