.
ما الذي يحبه في باريس؟
*جريدة الخليج
يوسف أبو لوز:
يكتب هنري كول عن باريس كما لو أنه يؤلف قطعة موسيقى، في حين أنه ليست كل أصوله تصب في مدينة النور: ولادته في اليابان، وأبوه أمريكي، وأمه فرنسية، لكن لا اللغات الثلاث.. لغات الولادة والأب والأم جعلته يكتب عن باريس بهذه الغنائية النادرة التي لا توجد إلا عند شعراء في شفافية جاك بريفير؛ بل لأنه يتذوق المدينة. يأكلها لقمة لقمة، أو يشربها رشفة رشفة، من دون صوت وبلا إزعاج.
الكتابة عن المدن تشبه رسمها، أو تشبه زيارة قبور أوليائها وقدِّيسيها وشعرائها الكبار. وكل مدينة فيها شيء من الأشجار، وشيء من النساء.
ولكن ما الذي يحبه هذا الكاتب الموسيقي في باريس؟.. (من ترجمة: أماني لازار).
يقول إنه يحب بودلير، ويحب الشاعرة والمترجمة كلير مالرو، ونسأله لماذا يحبها؟، فيجيب لأنها خيميائية اللغة تترجم الشعر من الإنجليزية إلى الفرنسية، وتحقق توازناً بين الشغف والرشاد.
هذا أيضاً درس في فهم معنى الترجمة، وليس فقط فهم معنى باريس.
ماذا تحب أيضاً يا سيد كول في مدينة المتاحف والكاتدرائيات والمقابر التي تشبه الحدائق؟ يقول: «أحب الفضة ترش نهر السين»، وفي مكان آخر يحب وسواس الباريسيين الغريب، ويحب أيضاً المحار اللذيذ، وقنافذ البحر، والقشريات معروضة على أطباق من الثلج في الهواء الطلق على الجادات.
وماذا أيضاً؟
يحب أشياء بسيطة عمل منها نصاً أدبياً ناعماً. هكذا يصنع هنري كول من عيدان الكبريت جملة شعرية غنائية ويقول: «أحب أعواد الثقاب الخشبية الصغيرة (الكبريت) برؤوس وردية قابلة للاشتعال، أوقد بها فرن الغاز لأحضّر القهوة بالحليب في الصباح».
وأنت.. ماذا أحببت في باريس؟
المطر. وذلك المقهى القرميدي الواقع عند كوع جادة صغيرة تلتقي بأخرى تحت غيم خفيف. والناس العابرون بسرعة على أرصفة باردة، والثياب الصوفية الثقيلة، ونهر السين الذي لم يتوقف عن الجريان على الرغم من كثرة الشعراء الذين ألقوا بأنفسهم فيه، وهو لا يكفّ عن الإلهام وتأليف موسيقى الماء.
في كل مدينة هناك ما تحبه، وهناك ما تحمله، وهناك ما تكتبه، وهناك ما تنساه.. في القاهرة يحمل تمثالين لنفرتيتي وكليوبترا، و«إذا لم تستطع حمل امرأتين في حقيبة واحدة، فاحمل تمثالين»، كما يقول شاعر فرعوني قديم.
وفي باكو، يكتب قصيدة على بحر الخرز، وتدهشه المقابر المعلّقة في أعالي الجبال، فيكتب مرة أخرى عن خيل عربية مرت ذات يوم من هنا، ولم يبق سوى الطلل.
في دمشق ينسى كثير من الشعر على طاولة في الهافانا، وينسى دموع بردى، كأن النسيان مهنة الشاعر.