.






بين الفقد والهجرة





*جريدة الخليج



حسن مدن:


بدرجة كبيرة من الاطمئنان، يمكننا القول إن رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» للروائي السوداني الطيب صالح، هي التي صنعت شهرته الأوسع. في الأمر شيء يذكرنا مثلاً بما صنعته «مئة عام من العزلة» لجابرييل ماركيز، من صيت لكاتبها، فعلى الرغم من أن الروايتين ليستا أول ما كَتبا من روايات كانت متميزة أيضاً، لكنها لم تنل ما نالته الروايتان المشار إليهما من انتشار، وربما إليهما يعود فضل كبير في لفت الأنظار إلى أعمالهما السابقة.


في أحد الحوارات قال الطيب صالح إنه ليس ميالاً لأن يعود لقراءة «موسم الهجرة إلى الشمال»، وإنه يفضل أن يعود لقراءة روايته «عرس الزين» التي يجدها الأقرب إلى روحه.


الأدب، برأي الطيب صالح، ينبع في أحد وجوهه من الإحساس بالفقد. و«عرس الزين» بالذات تمثل بالنسبة له هذا الإحساس، فهو بدأ كتابتها في نهاية خمسينات القرن الماضي في لندن، ذات صيف حار ومشمس، مدفوعاً بشعوره بفقد المكان الذي ولد ونشأ فيه، في قرية شمالي السودان، وما يتذكره مما عليه أهلها من بساطة وعفوية وفيض بالمحبة.


على الرغم من ذلك تظل «موسم الهجرة إلى الشمال»، في أعين النقاد والقراء هي الأهم. في الحوار نفسه، ذكر الطيب صالح أن الروائي يحيى حقي، ولم يكن بين الرجلين، يومها معرفة مباشرة، كتب له، بعد أن قرأ الرواية، رسالة من سطر واحد فقط، ظل الطيب صالح يحفظه باعتزاز كبير؛ لأنه يُمثل شهادة مهمة من كاتب عملاق، وفيه يقول حقي: «بعد أن قرأت (موسم الهجرة إلى الشمال) أحسست أنني وإياك من فصيلة واحدة».


لم تترك «موسم الهجرة إلى الشمال» الأصداء الواسعة في العالم العربي وحده، وإنما عند الآخر الذي عناه الكاتب في الرواية؛ الآخر الأوروبي تحديداً، ولم يقتصر الصدى على بريطانيا التي قصدها بطل الرواية للدراسة، وإنما شمل بلداناً أوروبية أخرى.


د. حامد فضل الله، نقل في مقال تفصيلي له عن أصداء الرواية في ألمانيا بعد ترجمتها إلى لغتها، قولاً لأحد كتّابها، هو لودفيج أمان، ذهب فيه إلى أن صالح، في الرواية، لا يأبه لمراعاة المحظورات ولا يلجأ للمراوغة، ومارس النقد الذاتي متعرضاً للفساد والرشوة في أنظمة ما بعد «الكولونيالية».


المستعرب السوفييتي فلاديمير شاجال الذي ترجم رواية صالح إلى الروسية، قال إن الطبعة الأولى من الرواية بالروسية التي صدرت في عام 1977م، طبعت بمئة ألف نسخة، وكذلك الحال بالنسبة لطبعتها الثانية، فيما قفز عدد نسخ الطبعة الثالثة إلى سبعمئة ألف.